يحيى دبوق الأخبار
بدا خطاب الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الذي تضمّن خليطاً غريباً من الإنكار والاعتراف غير المباشر بالفشل – وإن غُلّف بعبارات النصر والتفوّق -، إعلاناً غير مباشر لبداية تراجع تكتيكي مُنظّم، تحت عنوان «انتصار» ما. والواقع أن هذا التراجع كانت بدأت ترتسم معالمه خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، قبل أن يأتي خطاب فجر الخميس ليتوّجها بسردية عنوانها: «انتصرنا»، على الرغم من كثرة الوقائع التي تناقض ادّعاء الانتصار.
وتُعدّ قضية اليورانيوم المُخصّب واحدة من أهم القضايا التي كشفت المأزق الذي وصلت إليه الولايات المتحدة. ففي بداية الحرب، كان واحداً من أهدافها المُعلَنة الاستيلاء على مخزون إيران من اليورانيوم العالي التخصيب؛ إذ قال ترامب نفسه، في مؤتمر صحافي قبل ثلاثة أسابيع: «نريد عدم وجود أيّ تخصيب لليورانيوم في إيران، ونريد تسليم كلّ اليورانيوم المخصّب الموجود هناك، حتى الغبار النووي»، مشدّداً على أن هذا الشرط أساسي لأيّ اتفاق مع إيران. لكن قبل خطاب أمس، سأله صحافي عن ذلك اليورانيوم، فأجاب بقوله: «إنه في عمق الأرض إلى درجة أنني لا أهتمّ به. سنراقبه عبر الأقمار الاصطناعية فقط». وعلى الرغم من أن ترامب لم يستخدم العبارة نفسها في خطابه أمس، فإنه تجاهل مطلب انتزاع القدرات النووية من إيران، وركّز على تدميرها. ويعني ما تقدّم ببساطة، أن الولايات المتحدة تعيد تعريف الهدف من القتال في منتصف الطريق، بعدما أصبح تحقيق الهدف الأوّلي متعذّراً.
وعلى المنوال نفسه، وعندما أغلقت إيران مضيق هرمز في الأسبوع الأول من الحرب، تعهّد ترامب فوراً بأن «البحرية الأميركية ستفتح المضيق خلال 48 ساعة». ثمّ مرّت المهلة، ومدّدها ترامب إلى 5 أيام، ثمّ إلى 10 أيام، قبل أن يتوقّف عن ذكرها تماماً. وفي مقابلة تلفزيونية سبقت الخطاب، سُئل عن تأخّر فتح المضيق، فأجاب بعبارة غير متوقَّعة: «أميركا لا تشتري النفط من هناك. نحن دولة مُصدِّرة للنفط الآن. لماذا نتحمّل العبء وحدنا؟»، ثم وجّه كلامه إلى أوروبا وآسيا، قائلاً: «هذا ممرّكم أنتم. افتحوه بأنفسكم». وفي خطابه الأخير، كرّر هذه الفكرة بقوله: «قلت لهم، اذهبوا إلى المضيق وخذوه. احموه لأنفسكم. أنتم تعتمدون عليه. نحن لا». وأضاف في ما يشبه التسليم بأن «هرمز» قد لا يُفتح: «إذا كنتم لا تستطيعون فتحه، اشتروا النفط من أميركا». ويبدو كلام ترامب هذا بمثابة إعلان عن تخلّي بلاده عن مسؤولية تأمين الملاحة العالمية، في ما يمثّل تحوّلاً جذرياً في دورها كحارس للخليج ومصادر الطاقة. والأهمّ، أنه يمثّل اعترافاً ضمنياً بأن البحرية الأميركية عجزت عن فتح المضيق، مثلما وعد به ترامب.
لا يستطيع ترامب أن يقرّر من طرف واحد إنهاء الحرب والعودة إلى ما قبلها
كذلك، في الأسبوع الأول من الحرب، وبعد الضربات الابتدائية في إيران، قال ترامب للإيرانيين: «هذه فرصة العمر لتتخلّصوا من نظامكم القمعي»، في ما دلّ بوضوح على تبنّيه هدف تغيير النظام. ولكنّ الانتفاضة الشعبية التي كان يتوقّعها إلى حدّ الإفراط لم تحدُث، والنظام الإيراني صمد، ليتوقّف ترامب والحال هذه عن تكرار تعبير «فرصة العمر»، ويبدأ في الحديث عن «إضعاف النظام» بدلاً من «إسقاطه». وفي مرحلة لاحقة، أخذ يتحدّث عن «مفاوضات مع القيادة الإيرانية الجديدة»، على الرغم من أن القيادة نفسها لا تزال في مكانها.
الرضوان آلأخبآࢪية اخر الاخبار المحلية والدولية