📰 في صيدا احتضان النازحين واجب وطني وليس عبئاً: بوابة الجنوب تشرّع أبوابها

🗞️ فراس خليفة – الأخبار

لم تكن العلاقة بين القوى السياسية الصيداوية يوماً ثابتة على وتيرة واحدة من الخصومة أو الوفاق. وبالتالي، فإن مقاربتها للحرب الراهنة ليست موحّدة بالضرورة. إلا أنّ ما يشبه الإجماع يبرز اليوم حول ضرورة تنسيق الجهود لمواجهة استحقاق النزوح، لا باعتباره عبئاً أو مصدر قلق، بل بوصفه واجباً إنسانياً والتزاماً وطنياً. ولأنّ صيدا تحمل خصوصية «بوابة الجنوب»، مستندة إلى إرث نضالي ووطني طويل، يصبح احتضان النازحين «مسؤولية جنوبية» أيضاً. وعليه، تبدو التيارات السياسية الرئيسية، إلى جانب هيئات المجتمع المحلي، معنيّة بما تعتبره «واجب احتضان الجنوبيين» في مدينة استهدفها العدوان الإسرائيلي سبع مرات خلال جولة الحرب الأخيرة، تسبّب بعضها بمجازر بين المدنيين.
لا ينسى علي، الفتى الجنوبي البالغ من العمر 12 عاماً، صوت خطيب «جامع الزعتري» في صيدا، في ليلة النزوح الكبير في الثاني من آذار الماضي، وهو يدعو خلال صلاة التراويح إلى عودة «الإخوة النازحين إلى قراهم وبيوتهم أعزّاء سالمين». كما لا يغيب عن ذاكرته مشهد أشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة وهم يوزّعون المياه والتمر وحليب الأطفال على النازحين العالقين في سياراتهم.
بعد شهرين، ستعبر قوافل السيارات شوارع المدينة مجدّداً، لكن على دفعات هذه المرة. وستستقبل صيدا موجات أقل عدداً من النازحين، بعضهم كان قد غادر مؤقّتاً خلال «مرحلة خفض التصعيد»، قبل أن يعود إلى «مكانه المحفوظ» داخل مراكز الإيواء.

عبور واحتضان

في محلة «بستان الكبير»، كان ثلاثة تلامذة نازحين يتابعون دروسهم في مقهى صغير على الرصيف المقابل لأحد مراكز الإيواء. يقول إسماعيل حفوضة، ابن المدينة: «الناس يرتاحون في صيدا، علاقتهم بها عاطفية، كأنهم في قراهم». وبرأيه، فإن أبناء المدينة يقومون بالدور الوطني والأخلاقي الذي اعتادوه «بالفطرة» منذ زمن طويل، من دون حسابات أو اعتبارات أخرى، مضيفاً: «إذا ما احتضنت صيدا الجنوبيين، ما بتكون صيدا».
عند المدخل الشمالي للمدينة، رُفعت لافتة كبيرة كُتب عليها: «هذه الأرض لنا… عائدون»، موقّعة باسم عمر مرجان، ابن المدينة الذي يعبّر عن قناعة راسخة بـ«أننا جميعاً إخوة في الوطن وعدوّنا واحد». ويرى مرجان أن صيدا كانت من «المناطق النموذجية» في احتضان النازحين، ولا ينظر إلى الأمر من خارج السياق الطبيعي للمدينة وطبيعة مكوّنات أهلها.
منذ اللحظات الأولى للحرب، بذل مرجان جهوداً لافتة في دعم النازحين، سواء عبر «مؤسسة مرجان الخيرية» أو «جمعية إنسان الغد»، ولا سيما في مجالات الرعاية الطبية، وتأمين الأدوية، والعيادة النقّالة، والمستلزمات الأساسية، والدعم النفسي، وغيرها من الخدمات.
وخلال الشهرين الماضيين، أطلق كثير من أبناء المدينة مبادرات فردية للتعبير عن تضامنهم مع النازحين. يقول عز الدين عز الدين، أحد سكان المدينة والناشط في منتدى «سبعين»: «من يعرف صيدا عن قرب، يدرك أن أهلها مفطورون على محبة الآخرين». ويضيف أن المدينة كانت تاريخياً بالنسبة إلى أبناء الجنوب «المدرسة والمستشفى والسوق التجاري ومركز المحافظة والقضاء ومساحة التواصل اليومي»، فضلاً عن كونها مدينة «حافظت على أصالتها وخطها الوطني والقومي»، ولذلك «لم يشعر كثيرون منا بغربة حقيقية، بل شعروا بأنهم بين أهلهم».

مظلة سياسية ووطنية

يُجمِع متابعون على أن وجود ما يُعرف بـ«التيار الوطني» في صيدا يشكّل نوعاً من «الضمانة الصيداوية» في لحظة الأحداث الكبرى. ويرى هؤلاء أن المدينة، التي «لطالما كانت على قدر مسؤوليتها الوطنية»، تعبّر اليوم عن ذلك من خلال تقاطع مختلف القوى السياسية والفعاليات الأهلية عند نقطة أساسية، هي ضرورة «إدارة ملف النزوح بروح إنسانية ووطنية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الاستقرار الأمني والاجتماعي».
وفي هذا السياق، يقول مازن حشيشو، منسّق عام تيار المستقبل في صيدا والجنوب، إن «الاختلاف السياسي لا يمكن أن يتحوّل إلى خلاف عندما يتعلّق الأمر بالإنسان وكرامته»، مشيراً إلى أن مواجهة تبعات الحرب «تتطلّب أعلى درجات التضامن». فيما يؤكد القيادي في التنظيم الشعبي الناصري هلال زنتوت «أننا معنيون بتقديم كل ما يليق بكرامة الجنوبيين النازحين وتضحياتهم»، مشيراً إلى أن التنظيم لعب دوراً كبيراً في الضغط لفتح مراكز إيواء إضافية، ولافتاً إلى أن «مؤسسة معروف سعد» تدير وحدها 11 مركزاً للإيواء.
من جهتها، تتعامل الجماعة الإسلامية مع ملف النزوح انطلاقاً من «رؤية مبدئية تجمع بين الأبعاد الوطنية والإسلامية والإنسانية»، وفق ما يقول محمد حسني، عضو القسم السياسي في الجماعة في صيدا، مؤكداً أنها «تدعم وتشجع كل من يساهم في مساعدة أهلنا القادمين من الجنوب، وتدعو إلى أوسع حالة تضامن مجتمعي».

صيدا تاريخياً بالنسبة إلى أبناء الجنوب هي المدرسة والمستشفى والسوق ومركز المحافظة ومساحة التواصل اليومي

ولأنّ التحدّيات كبيرة والحاجات كثيرة، يلفت وليد حشيشو، الناشط الصيداوي والعضو في جمعية «النجدة الشعبية»، إلى أن المرحلة «تتطلّب تضافر جميع الجهود، ولا سيما أن الدعم لا يزال دون المستوى المطلوب، خصوصاً إذا طال أمد الأزمة».
ومع تكرار تجارب النزوح، باتت القوى السياسية والجهات المعنية والمجالس البلدية، بحسب نائب صيدا عبد الرحمن البزري، أكثر خبرة في إدارة الأزمات، وأصبحت ردود فعلها «منظّمة ومبرمجة إلى حدّ كبير». ويضيف: «الشراكة بين المجتمع الأهلي والقوى السياسية والمجلس البلدي تجسّدت بوضوح في هذه الأزمة، وقدّمت نموذجاً متقدّماً رغم تراجع الإمكانات والموارد».
ويوضح أن هذا المناخ الإيجابي الحاضن لـ«ضيوفنا»، يواجه هذه المرة «نقصاً كبيراً في الملاءة المالية لدى الجهات الداعمة والجمعيات والمنظّمات الإنسانية»، عازياً ذلك إلى تعدّد الأزمات الدولية، وإلى «أسباب سياسية متعمّدة أدّت إلى خفض حجم المساعدات والدعم المالي».
ويشير البزري إلى الدور الذي يقوم به «مركز الدكتور نزيه البزري للرعاية الصحية الأولية» و«مؤسسة نزيه البزري» في دعم النازحين المقيمين خارج مراكز الإيواء، موضحاً أن المؤسسة ساهمت، بالتعاون مع جهات أخرى، في دعم جهود المجلس البلدي لسدّ النقص في الأدوية وتأمين إيصالها إلى مراكز الرعاية الصحية الأولية، مثنياً على مستوى التعاون الذي أبداه وزير الصحة.

البارومتر الصيداوي

يجزم البزري بوجود «خطرين واضحين» يتهدّدان لبنان: «خطر العدوان الإسرائيلي الذي لا ضوابط ولا حدود له، وخطر انفراط عقد الجبهة الداخلية اللبنانية، ما يستوجب اليوم خطاباً وطنياً جامعاً».
ويلفت إلى أن الخطاب السياسي للقوى الصيداوية كان، على الدوام، متضامناً مع الجنوب، ومُحمّلاً أيضاً ببعد قومي داعم للقضية الفلسطينية، مضيفاً: «صيدا تريد الحفاظ على إرثها الوطني، وهذا ما أسمّيه البارومتر الصيداوي الإيجابي». ويستعيد محطات مشابهة عاشتها المدينة خلال الثمانينيات والتسعينيات، مشيراً إلى أن أكبر عملية احتضان للنازحين الجنوبيين حصلت خلال حرب تموز 2006، حين بلغ عدد النازحين في صيدا نحو 110 آلاف شخص.
وفي حديثه عن «خصوصية» صيدا، لا يحصر البزري المسألة بكون المدينة عاصمة إدارية فحسب، بل لأن ثمة «علاقة تاريخية متجذّرة ومتبادلة بين صيدا والجنوبيين». وانطلاقاً من ذلك، يرى أن المدينة تتصرف على هذا الأساس: «كونها عاصمة فهذا يعني أن عليها واجب احتضان الجنوبيين في أيام الأزمات والحروب، كما في أيام السلم».

الاستجابة والتحدّيات

في الأسابيع التي أعقبت سريان «الهدنة الهشّة»، تراجع عدد النازحين المقيمين في مراكز الإيواء داخل «صيدا الإدارية» من نحو 14 ألفاً إلى حوالي 1500 نازح، قبل أن يرتفع مجدّداً في الفترة الأخيرة إلى قرابة 12 ألفاً. في المقابل، لم يُسجَّل بعد أي تحديث لعدد النازحين المقيمين في الشقق والمنازل السكنية، والذي كان قد بلغ نحو 20 ألفاً، ليصل العدد الإجمالي للنازحين في المدينة إلى ما يقارب 35 ألفاً، بحسب أرقام «المرصد الحضري لصيدا»، الذي يديره متخصّصون في مؤسسة الحريري للتنمية البشرية المُستدامة.
ويتوزّع النازحون على 27 مركز إيواء تضم مدارس وثانويات رسمية وبعض فروع الجامعة اللبنانية، إلى جانب مراكز خاصة أخرى. ومع مطالبة الأونروا باستعادة ثلاث مدارس تابعة لها للعودة إلى التعليم الحضوري، يُتوقّع أن ينخفض عدد المراكز المُعتمدة إلى 24.
وفي المقابل، يبدو مستغرباً استمرار وجود بعض النازحين في الشوارع وعلى الأرصفة، رغم مرور أكثر من شهرين على بدء الحرب، من دون إيجاد حلول فعلية لهذه المشكلة. ويشير معنيون إلى أن مراكز الإيواء في صيدا «مفوّلة»، فيما يفضّل عدد كبير من النازحين البقاء في المدينة أو محيطها، لقربها من بلداتهم التي نزحوا منها.
عملياً، تُدار عملية الاستجابة لأزمة النزوح في صيدا من قبل المجلس البلدي، بالتعاون مع المحافظة ووزارة الشؤون الاجتماعية، فيما تشكّل البلدية المظلّة العامة للجمعيات والمؤسسات التي تتولى إدارة مراكز الإيواء. وتوضح وفاء شعيب، مديرة وحدة إدارة مخاطر الكوارث في بلدية صيدا، أن تجربة حرب 2024 ساهمت نسبياً في تسهيل الاستجابة خلال الحرب الحالية، رغم محدودية الموارد وتدهور الأوضاع الاقتصادية.
وفيما تشيد بتضافر جهود البلدية والمجتمع المحلي الصيداوي بكل مكوّناته، تحذّر في الوقت نفسه من أن التحدّيات ستصبح أكبر وأكثر تعقيداً إذا طال أمد النزوح.

شاهد أيضاً

📰 وزير خارجية «القوات» يغطي جرائم العدو

🗞️ ميسم رزق – الأخبار بما أنّ السياسة الخارجية في لبنان تحوّلت إلى مساحة لإرضاء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *