🗞️ صحيفة الأخبار
استهلّ القاضي أحمد رامي الحاج مسيرته كمدّعٍ عام تمييزي بقرار قضائي خطير على خلفية الفيلم الكرتوني الذي بثّته قناة LBCI وما تبعه من إساءات إلى البطريرك بشارة الراعي. إذ اعتبر، في حيثيات قراره، أنّ وضع حذاء عسكري («رينجر») فوق صورة الراعي يرمز إلى «الاستقواء بالسلاح»، في مقاربة رأى متابعون أنّها تتجاوز الإطار القضائي إلى استنتاجات سياسية لا تستند إلى عناصر جرمية واضحة. وبذلك، بدا الحاج، المحسوب على رئيس الحكومة نواف سلام، وكأنه يوجّه رسالة مبكرة بأنّه مستعد للذهاب بعيداً في مقاربة تنسجم مع توجّه السلطة في استهداف فريق سياسي محدّد، هو حزب الله.
في المقابل، اعتبر الحاج أنّ الفيديو الكرتوني من سلسلة «Angry Birds»، الذي صوّر مقاتلي حزب الله على هيئة «الطيور الغاضبة» والعدو الإسرائيلي على هيئة «الخنازير»، يدخل «في نطاق حرية التعبير»، وقرّر عدم ملاحقة قناة LBCI والعاملين فيها، مبرّراً ذلك بأن الفيلم «يحاكي الواقع بأسلوب كاريكاتوري» ولا يتضمّن إساءة لأي جهة لبنانية، بل يُظهر حزب الله في موقع «الفريق الخيّر» مقابل إسرائيل المعتدية.
كذلك، أحال الحاج ملف المنشد علي بركات والناشط علاء أبو جبل إلى النيابة العامة الاستئنافية، بعد نشرهما صوراً مسيئة للراعي، واعتبر أنّ الفعل «يُحقّر الراعي ويثير النعرات الطائفية». غير أنّ الإشكالية، بحسب منتقدي القرار، لا تكمن في توصيف الفعل بحد ذاته، بل في تحميل «الرينجر» دلالات سياسية مرتبطة بـ«السلاح المتفلّت»، بما يشكّل إقحاماً لموقف سياسي في متن قرار قضائي يفترض أن يبقى محصوراً في توصيف الجرم.
النتيجة القانونية التي انتهى إليها الحاج في ما يتعلّق ببركات وأبو جبل قد توحي، للوهلة الأولى، بأنّ القضاء حريص على معاقبة المرتكبين. لكن هذا الانطباع سرعان ما يتبدّد أمام الحيثيات التي تجاوزت حدود الوصف القانوني إلى إطلاق أحكام سياسية وتوصيفات أيديولوجية لا مكان لها في متن قرار قضائي. فالقضاء لا يحاكم الانطباعات السياسية، ولا يفسّر الرموز استناداً إلى المواقف العامة أو التقديرات الشخصية، بل يبني أحكامه على الوقائع الثابتة والأركان القانونية المحددة للجريمة.
تحميل صورة على وسائل التواصل الاجتماعي دلالات سياسية مرتبطة بواقع السلاح خروج عن التجرّد القضائي
أما تحميل صورة معدّلة نُشرت على وسائل التواصل الاجتماعي دلالات سياسية مرتبطة بواقع السلاح في لبنان، فهو خروج عن مقتضيات التجرّد القضائي، وإقحام لموقف سياسي في صلب قرار يفترض أن يبقى محصوراً في توصيف فعل محدّد ومدى انطباق النصوص الجزائية عليه. في المقابل، اعتمد القاضي تفسيراً تبسيطياً لفيلم LBCI، من دون التوقف عند مسألة تشبيه رجل دين بشخصية حيوانية، حتى لو كانت ضمن «فريق الخير». وإذا كان مسموحاً للقناة تشبيه شخصية بطائر، فلماذا لا يصبح ممكناً، بالمنطق نفسه، تشبيه أي شخصية عامة بحيوان يؤدي دوراً إيجابياً في عمل آخر؟
والأخطر أنّ هذا المنطق يقود إلى تعميم سياسي على شريحة واسعة من اللبنانيين، بما يتعارض مع مبدأ شخصية المسؤولية الجزائية، ويكرّس خطاباً انقسامياً لا ينسجم مع دور القضاء في حماية السلم الأهلي. فربط خطأ فردي ببيئة سياسية كاملة يوحي بأن أبناء هذه البيئة يمثّلون نهجاً قائماً على «الاستقواء بالسلاح»، وهو تنميط ينشغل به عادة ناشطو مواقع التواصل، لا المدّعون العامون.
كما أنّ القرار، بدلاً من الاكتفاء بتحديد ما إذا كان الفعل يشكّل جرماً جزائياً، تضمّن رسائل سياسية لا ضرورة قانونية لها، ما يضعف حياده ويعرّضه لانتقادات جدية. فالقضاء العادل هو الذي يحاسب الأفراد على أفعالهم الشخصية، لا الذي يربطها بانتماءاتهم السياسية أو الاجتماعية، أو يحمّلها أبعاداً تتجاوز مقتضيات العدالة وسيادة القانون.
الرضوان آلأخبآࢪية اخر الاخبار المحلية والدولية