🗞فراس خليفة :الأخبار
على مدى أكثر من ثلاثة أشهر، استضافت «متوسطة الشهيد معروف سعد الرسمية» نحو 600 نازح قدموا من 25 بلدة وقرية جنوبية. وتمكّن المركز، الذي يُعدّ أحد أكبر مراكز الإيواء في صيدا وتتولّى إدارة شؤونه «مؤسسة التضامن الشعبي»، من تقديم نموذج لافت في العمل التطوّعي المنطلق من دوافع وطنية وإنسانية.
تحت سماء لم يغب عنها هدير المُسيّرات الإسرائيلية، وصل ثلاثة شبان متطوّعين للمساعدة في إيصال بعض المستلزمات الخاصة بالنازحين. كان عيسى طفيلي، الشاب الثلاثيني القادم من النبطية الفوقا، يراقب المشهد إلى جانب شخص تعرّف إليه خلال فترة النزوح. في الأسابيع الأولى للحرب، قصد عيسى مركز «متوسطة الشهيد معروف سعد» بعدما تعذّر عليه إيجاد خيارات أخرى «مقبولة». لا يحاول عيسى «تجميل» صورة النزوح أو التخفيف من قسوتها، لكنه يؤكّد أن القائمين على شؤون المركز «يعرفون ظروف الناس وحاجاتهم جيداً، ويشعرون بالألم نفسه الذي يعيشونه، ما يمنح النازحين قدراً من الطمأنينة والاحتواء».
يتناوب نحو 40 شابة وشاباً من «مؤسسة التضامن الشعبي» على برنامج الخدمة والتطوّع الأسبوعي، ويعاونهم 15 متطوّعاً من النازحين أنفسهم. «صرنا بوطّة وحدة»، يقول علي حشيشو، المتطوّع في مستوصف الشهيد رشيد بروم التابع للمؤسسة. ويضيف: «الشباب ينامون معنا هنا لا في غرفهم، وهم عنصر أساسي في توزيع المساعدات وإعداد الطعام، لأنهم أبناء هذه العائلات ويملكون صورة أوضح عن حاجاتها وتفاصيلها».
ويوضح أن المؤسسة تعمل منذ سنوات على إعادة الاعتبار إلى ثقافة التطوّع الحقيقية، بعد أن «شوّهت بعض المنظمات غير الحكومية جوهر هذه الفكرة». ويضيف: «متطوّعونا لا يتقاضون أي أجر مادي، ويعتبرون أنفسهم جزءاً من جهد وطني وأهلي لدعم الناس والصمود في مواجهة الحرب، كلٌّ من موقعه». ويوضح أن كل التبرّعات المالية التي تصل إلى المؤسسة تُصرف بالكامل على الخدمات الأهلية، سواء في المطبخ الجماعي أو في تأمين الاحتياجات اللوجستية وسدّ النقص في المتطلّبات الأساسية للنازحين.
ويلفت المتطوّع غابي جمّال إلى أن ما يميّز مركز إيواء «معروف سعد» هو مناخ التعاون والتفاهم القائم بين فريق المتطوّعين وإدارة المدرسة والنازحين، ما ينعكس إيجاباً على معالجة أي مشكلة أو سوء فهم قد يطرأ. ويقول: «النازحون خرجوا من بيوتهم في ظروف قاسية، ولا يمكن التعامل معهم بفوقية أو من موقع التعالي». يكرّس جمّال جانباً كبيراً من جهوده لمتابعة الحالات الصحية والاستشفائية الطارئة للنازحين. وكان له تنفيذ مشروع إنشاء ثماني كبائن استحمام للنساء والرجال، بمساعدة «أصدقاء يابانيين مناهضين لإسرائيل».
أمّا عبدالله قدّورة، الشاب الفلسطيني الذي نشأ على ثقافة التطوّع المرتبطة بالبعد الوطني والإنساني، فيجد نفسه في التجربة نفسها التي يعيشها زين قدور، ابن بلدة كفرشوبا، والذي يؤكد أن «حجم المسؤوليات المُلقاة على عاتقنا يجعلنا نشعر بأننا نقوم بعمل مفيد لأهلنا وناسنا، ولذلك نعتبر ما نقوم به واجباً أكثر منه عملاً تطوّعياً».
يشكّل المناخ الإيجابي السائد في مركز «متوسطة معروف سعد» مظلة معنوية للنازحين في مواجهة الضغوط النفسية القاسية التي فرضتها الحرب والنزوح الطويل. وفي هذا الإطار، تحرص زينب جرادي، القادمة من بلدة حاروف، على المشاركة في معظم النقاشات المتعلّقة بتوزيع المساعدات وإطلاق مشاريع الدعم المختلفة، كما تبذل جهداً دائماً في تشجيع السيدات على المبادرة والانخراط في الأنشطة المختلفة «بدلاً من الاستسلام للإحباط».
يحرص القائمون على المركز على ألّا يُسلخ الناس عن بيئتهم وألّا يُنتزع منهم حقّ التعبير عمّا يريدون قوله
بدورها، تؤدّي مريم سرور دوراً إيجابياً ومؤثّراً في محيطها، مستفيدة من خبرتها السابقة في مجال
التدريب على الأشغال اليدوية والمهارات الهادفة إلى تمكين المرأة. وتقول ابنة عيتا الشعب: «على الرغم من الألم الذي خلّفه فقدان الشهداء وحجم الدمار الكبير الذي أصاب قرانا، لا خيار أمامنا سوى توحيد جهودنا والتكاتف لمواجهة المرحلة المقبلة».
لسنا أوصياء
تتذوّق نيفين حشيشو طبق «الكوسا المحشي» الذي أعدّته عالية، ابنة بلدة القليلة الجنوبية، قبل أن تتابع جولتها اليومية على غرف المدرسة للاطمئنان إلى أحوال النازحين وسؤالهم عن مستوى الخدمات وجودة الوجبات التي يقدّمها «المطبخ الشعبي». المتطوّعة منذ سنوات في «مؤسسة التضامن الشعبي» باتت تحفظ وجوه معظم المقيمين في المركز، وتتابع أدقّ تفاصيل حياتهم اليومية. تسأل بعض الأطفال عن سبب وجود المياه على الأرض، وتنصح إحدى الفتيات باستبدال الـ«بيبسي» بشراب آخر، لأن «علينا مقاطعة الشركات الداعمة للاحتلال».
تقول: «الجو هنا عائلي، والناس يشعرون بأمان نفسي». ولدى سؤالها عن بعض الظواهر داخل المركز، كالتدخين أو استخدام النرجيلة، تجيب بحزم: «وهل نحن أوصياء على الناس؟ دورنا يقتصر على تأمين الخدمات وتسهيل حياة مجموعة من الأشخاص جمعتهم ظروف الحرب في مكان واحد، ولكلّ منهم عاداته وطباعه وخلفياته المختلفة».
تؤكد حشيشو أنّ فريق المتطوّعين لا يتدخّل في خيارات الناس الشخصية أو سلوكياتهم الخاصة، فـ«هؤلاء أناس محترمون، لديهم عائلات وأعمال ومسؤوليات». مع ذلك، لا بدّ من وضع آليات تنظّم العلاقة بين الجميع، وتسهّل إدارة المساحات والخدمات المشتركة، من تنظيف الحمّامات والملاعب إلى تنظيم مواعيد الاستحمام وغسل الثياب والأواني، وصولاً إلى إدارة المطبخ المشترك وسائر التفاصيل اليومية التي تجعل الحياة أكثر سلاسة داخل مركز الإيواء.
ثوابت وطنية
في مطلع أيار الماضي، رفع متطوّعو «مؤسسة التضامن الشعبي» لافتة كبيرة في باحة المدرسة حملت تحية إلى «مقاومينا الأبطال، العمّال المكافحين في ورشة حماية الوطن من الوحش الإسرائيلي». وعلى الجدران، عُلّقت صور شهداء الصحافة آمال خليل وعلي شعيب وفاطمة فتوني وشهداء آخرين. في الباحة الرئيسية، خصّص الناشطون لوحة رُسمت عليها دبابات «ميركافا»، وتحوّلت إلى مساحة متابعة يومية يدوّن الفتيان عليها عدد الدبابات التي تعلن المقاومة استهدافها. وفي نشاط آخر، كُتبت أسماء القرى والبلدات الجنوبية بخطوط كبيرة، ليتولّى الأطفال تلوينها واستحضارها في ذاكرتهم الجماعية.
يحرص القائمون على المركز على «ألّا يُسلخ الناس عن بيئتهم ونمط حياتهم، وألّا يُنتزع منهم حق التعبير عمّا يريدون قوله». ومن هنا جاء اختيار اسم «صمود» عنواناً للحملة الشعبية، في محاولة لـ«أن نُشعِر أهلنا، ونشعر معهم، بأننا نخوض معركة مشتركة تحدّد مصيرنا جميعاً، ولسنا مجرد متطوّعين قادمين من كوكب آخر»، كما يقول علي حشيشو. يشدّد ابن مدينة صيدا على أنّ «فكرة المقاومة لم تغب يوماً عن قاموسنا.
التزامنا سياسي ووطني أولاً، قبل أن يكون إنسانياً». أمّا الناشط السياسي والمتطوّع في مركز «معروف سعد»، عاطف الإبريق، فيرى أنّ المناخ العائلي والألفة السائدة في المركز ينبعان من «تقديرنا لتضحيات الناس واحترامنا لمعاناتهم». ويضيف: «لا نبذل جهداً لنبدو مختلفين عمّا نحن عليه، فنحن جزء من هذه الحالة العامة سياسياً واجتماعياً، وندرك تماماً معنى أن يشعر مجتمع المقاومة بأنه مُستهدف أو متروك لمصيره».
ويشير إلى أن العدوان الإسرائيلي المتواصل يترافق مع غياب أي سياسة رسمية واضحة لحماية الناس المتضررين منه، فيما «الدولة مستقيلة من مسؤولياتها بقرار سياسي كبير». لذلك، فإنّ «معركتنا هي معركة صمود أهل المقاومة وناسها»، كما يقول ابن مدينة صيدا هو الآخر.
أنثروبولوجيا المكان
في بلدٍ كلبنان، يفتقر إلى ملاجئ مُحصّنة ومراكز إيواء متخصّصة، تتحوّل المدارس الرسمية وسائر المباني العامة إلى الخيار الأسرع لاستقبال النازحين، كما جرت العادة في موجات النزوح المتعاقبة. وبينما تقتصر مسؤولية إدارة المدارس على المبنى والصيانة، تتولّى وزارة الشؤون الاجتماعية، عبر الجمعيات، مهمة رعاية النازحين ودعمهم.
لكنّ مديرة «متوسطة معروف سعد» سعدية بسيوني تعاملت مع الاستحقاق بوصفه امتداداً لرسالتها التربوية. فإلى جانب فتح منزلها للنازحين، انتقلت للإقامة في المدرسة، وانضم إليها 12 معلماً ومعلمة تطوّعوا بخبراتهم لخدمة المكان وسكّانه. ويرى فريق الإدارة أنّ الظروف الاستثنائية لا تسمح بمنطق «لا علاقة لي بالآخرين»، بل تفرض تعزيز قيم التكافل والتضامن والإحساس بالمسؤولية الجماعية. فإلى جانب أهمية استمرار التعليم، يتعلّم الأطفال في هذه التجربة دروساً لا تقلّ قيمة عن المناهج نفسها.
في الحرب، تتبدّل وظيفة المدرسة. أرقام الصفوف تصبح أرقام غرف تسكنها العائلات، والملعب يتحوّل إلى مساحة مشتركة للحياة اليومية. ومع الوقت، يبدأ النازحون بالتعامل مع المكان بوصفه امتداداً لبيوتهم، حتى إنّ بعضهم يقول تلقائياً: «طالع عبيتي» وهو متّجه إلى غرفته.
في علم الأنثروبولوجيا، يُميَّز بين «اللامكان»، حيث يتجاور الأفراد من دون بناء روابط حقيقية، و«المكان الأنثروبولوجي» الذي تتشكّل فيه العلاقات والطقوس والهويات المشتركة. وفي مركز الإيواء، بدا أنّ المدرسة تتحوّل تدريجياً إلى هذا النوع الثاني من الأمكنة.
تقول نيفين حشيشو، الباحثة في الأنثروبولوجيا والمتطوّعة في المركز، إنّ ظروف النزوح أوجدت نظاماً اجتماعياً جديداً فرضته الحاجة والتعايش اليومي. فمواعيد الاستحمام تُنظَّم بجرس، والإعلانات تُبلَّغ عبر مُكبِّر الصوت، وتتشكّل تلقائياً قواعد وعادات تنظّم الحياة المشتركة. وتضيف: «صار في سيستم راكب»، في إشارة إلى نسيج اجتماعي جديد نشأ داخل المكان، فرضته ظروف الحرب وحاجات الناس ورؤية الجهة التي تدير المركز.
الرضوان آلأخبآࢪية اخر الاخبار المحلية والدولية