🗞️ زينب حمود – الأخبار
عادت السلطة اللبنانية من مفاوضات واشنطن بـ«سلّة فارغة»، ولا سيما في ما يتعلّق بتأمين عودة آمنة للنازحين إلى الجنوب. فرغم توقيع «الاتفاق الإطاري الثلاثي»، لا تزال أزمة النزوح تراوح مكانها، فيما تبقى العودة إلى القرى الجنوبية مُعلّقة، وسط تحدّيات سياسية وأمنية وتمويلية مُعقّدة، لم تنجح سلطة الوصاية في إيجاد حلول عملية لأيّ منها.
هذه هي الخلاصة التي انتهى إليها «تقدير موقف» نشره «المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – بيروت» في الأول من تموز الجاري، بعنوان: «النازحون بعد الاتفاق الإطاري: قراءة في تعقيدات النزوح والعودة».
ويتجاوز التقرير سؤال «متى يعود النازحون؟»، إلى أسئلة أكثر جوهرية: تحت أي شروط ستتم العودة؟ وفي أيّ بيئة سياسية وأمنية؟ وبأيّ كلفة إنسانية ومادية؟ وهي أسئلة تضع الدولة اللبنانية ومؤسساتها أمام اختبار إدارة واحدة من أعقد أزمات النزوح في تاريخ لبنان الحديث، بعدما تجاوز عدد النازحين، وفق تقديرات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، 1.4 مليون شخص، أي ما يزيد على 20% من السكان.
ويرى التقرير أن الدولة اللبنانية التي أخفقت في إدارة أزمة النزوح، تسير بالنهج نفسه في مرحلة التعافي وتهيئة الظروف اللازمة لعودة آمنة وواسعة النطاق. ويعزو ذلك إلى «العجز الواضح في قدرة الدولة على ضبط الواقع الميداني في جنوب لبنان، في ظل استمرار التوترات والخروقات العسكرية». ورغم مشاهد عودة عدد من أبناء الجنوب إلى قراهم، يلفت التقرير إلى أن هذه العودة «لا تعدو كونها ممارسة متدرّجة ومُجزّأة، تراوح بين زيارات استكشافية قصيرة وعودة مؤقّتة محفوفة بالمخاطر، في ظل قلق دائم من تجدّد الحرب وغياب الضمانات السياسية والأمنية المستقرة، بعدما كرّست الفترة الماضية حالة من عدم الثقة لدى السكان، سواء تجاه استمرارية التهدئة أو إمكانية تحوّلها إلى وقف إطلاق نار دائم».
ويفصّل التقرير أبرز العوائق التي تحول دون عودة النازحين، معتبراً أن العامل العسكري يبقى الأكثر تأثيراً، في ظل استمرار الخروقات الإسرائيلية، إذ يشكّل «العامل الأساسي الذي قد يعيد إنتاج النزوح بصورة دورية، ويجعل العودة رهناً بتقلّبات ميدانية يومية، لا بضمانات سياسية مستقرة». وفي هذا السياق، يشير إلى دور المؤسسة العسكرية اللبنانية، التي «يُفترض أن تكون أحد أعمدة تسهيل العودة، لكنها تتحوّل عملياً إلى جهة ضبط وحماية تمنع العودة غير الآمنة، وتدعو المدنيين إلى التريّث، في ظل غياب شروط الاستقرار».
أكثر من 61 ألف وحدة سكنية تعرّضت للتدمير ولأضرار جسيمة
ويرتبط ذلك أيضاً بعدم التوصل إلى تسوية نهائية، وبالثغرات التي تشوب الاتفاق الإطاري الذي لم يفضِ إلى ضمانات قابلة للتنفيذ على الأرض. فهو لا يتضمّن جدولاً زمنياً واضحاً لانسحاب جيش العدو، بل يربط إعادة انتشاره بمسار نزع سلاح حزب الله، وبترتيبات أمنية لا تزال فعّاليتها العملية موضع اختبار. ويلفت إلى أن «نظام الضمانات الدولية لا يزال غير واضح، إذ لم تتبلور بعد آلية المتابعة التي أُعلن عنها لمراقبة وقف الأعمال العدائية، كما لم تتضح قدرتها على منع تجدّد العمليات العسكرية، ما يجعل كل خطوة باتجاه العودة رهينة احتمال انهيار التفاهمات أو تبدّل موازين القوى على الأرض».
لكن، حتى لو جرى تجاوز العوائق الأمنية، وتوقّفت الخروقات الإسرائيلية، واستُكمل الانسحاب من الأراضي المحتلة، فهل تصبح العودة ممكنة عملياً؟ يجيب التقرير بأن العقبات لا تنتهي عند الجانب الأمني. فإلى جانب استمرار سيطرة جيش الاحتلال على عشرات القرى الجنوبية، بما يعادل نحو 6% من مساحة لبنان، فإن كثيراً من القرى غير المحتلة نفسها لم تعد مُهيّأة لاستقبال سكانها، إذ إن «أكثر من 61 ألف وحدة سكنية تعرّضت للتدمير ولأضرار جسيمة، ما خلّف نحو 8.5 ملايين متر مكعّب من الردم، وهو ما يشكّل أحد أكثر العوائق عمقاً وتعقيداً أمام عودة النازحين. ويُضاف إلى ذلك الانهيار الواسع في البنى التحتية، من شبكات الكهرباء والمياه والطرق، فضلاً عن انقطاع الخدمات الأساسية في عدد كبير من القرى».
في المقابل، تبرز أزمة إعادة الإعمار بوصفها أحد أبرز العوامل التي تزيد المشهد قتامة. فالتقرير يشير إلى أن هذا المسار يصطدم بعقبتين أساسيتين: «فجوة تمويل حادّة، وغياب خطة دولية واضحة وشاملة لإعادة بناء القرى الجنوبية. فحتى الآن، لم يُبلور إطار تمويلي أو تنفيذي متكامل يحدّد أولويات الإعمار، أو يربط التمويل بجدول زمني مُلزِم».
ويضيف التقرير أن الاتفاق الإطاري نفسه «وضع العصي في الدواليب»، إذ ربط إعادة الإعمار، والدعم الدولي، ولا سيما الأميركي، بـ«تنفيذ سلسلة من الالتزامات الأمنية وفق مراحل محدّدة، تشمل بسط سلطة الدولة، ونزع سلاح الجماعات المسلحة، ومنع وصول أموال إعادة الإعمار إليها أو استفادتها منها».
وفي المقابل، تعزو السلطة اللبنانية التعثّر في مسار العودة إلى عوامل تتجاوز قدرتها، من بينها استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، وصعوبة تأمين التمويل اللازم لإعادة الإعمار. غير أن هذه المبرّرات، وفق التقرير، لا تعفيها من مسؤولياتها المباشرة في الملفات التي تقع ضمن صلاحياتها، وفي مقدّمها على الأقل «إدارة ملف الألغام والذخائر غير المنفجرة، وتنسيق جهود المؤسسات الرسمية والبلديات والمنظّمات الدولية، لإطلاق خطة متكاملة للعودة».
ويخلص التقرير إلى أن الاختبار الحقيقي لسيادة الدولة لا يكمن في المشاركة «الشكلية» في المفاوضات أو في توقيع اتفاق يترك عودة النازحين «مُعلّقة»، بل في قدرتها على الانتقال إلى مسار تعافٍ فعلي، يوفّر الشروط الأمنية والخدماتية والاقتصادية اللازمة لعودة جميع النازحين، عودة آمنة، مستقرة، ومُستدامة، إلى الجنوب… كل الجنوب.
الرضوان آلأخبآࢪية اخر الاخبار المحلية والدولية