🗞راجانا حمية_الأخبار
تسبّبت الحرب بنزوح نحو مليون ونصف مليون مواطن. لكن، خلافاً للحروب السابقة، لم تكن مراكز الإيواء هي الوجهة الرئيسية للنازحين، بعدما اختلفت مقاربة الناس للنزوح عن المقاربة التقليدية للسلطة. ويعود ذلك، إلى حدّ كبير، إلى فقدان الثقة بمراكز الإيواء الجماعية، التي غالباً ما تفتقر إلى التجهيزات الأساسية وأبسط معايير الخصوصية والكرامة.
وليس هذا واقعاً جديداً، فمع كل حرب يشنّها العدو الإسرائيلي، تتعامل الدولة مع ملف النزوح بعقلية المتفاجئ لا المستعدّ، فتتكرّر الإشكاليات نفسها، وتبقى استجابتها أسيرة المفهوم التقليدي للإيواء، وبعيدة عن مواكبة تطورات الأزمة.
وتجلّى هذا الخلل في الحرب الحالية، إذ لم يلجأ إلى مراكز الإيواء الرسمية سوى نحو 15% من النازحين، فيما تولّى 85% تدبّر أوضاعهم خارجها، عبر استئجار مساكن، أو اللجوء إلى الأقارب والمعارف، أو الاستفادة من شبكات الدعم الاجتماعي. وتؤكد هذه النسب بيانات وحدة إدارة الكوارث، كما تتطابق مع نتائج دراسة لـ«المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات» حول واقع النزوح في الحرب الحالية.
خصخصة النزوح
تُظهِر دراسة «المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات» أن عبء إدارة الأزمة انتقل من المؤسسات الرسمية إلى الأسر النازحة، بعدما تحوّل النزوح إلى «حالة حضرية ممتدّة تُدار عبر آليات السوق وفرص التدبّر الذاتي، أكثر مما تُدار عبر المؤسسات الرسمية ومنظومات الحماية التقليدية في الأزمات الإنسانية».
وكشفت موجة النزوح الأخيرة عن تحوّل عميق في طبيعة الأزمات الإنسانية وطرائق إدارتها، وهو ما لم تستوعبه الدولة، التي اكتفت باستجابة جزئية أسيرة لمنطق الإيواء التقليدي. فأبقت المساعدات متمركزة في المراكز الجماعية، فيما بقي معظم النازحين خارجها. ونتيجة لذلك، تُركت الأسر لتدير الأزمة بنفسها، لتنشأ حالة من «خصخصة إدارة النزوح»، دفعت هذه الأسر ثمنها عبر استنزاف مدّخراتها، والاستدانة، وتقليص إنفاقها لتأمين الحدّ الأدنى من احتياجاتها.
اختارت الدولة حصر استجابتها داخل مراكز الإيواء، متعاملة مع النازحين بمنطق «المدرسة الداخلية أو السجن»، وفق توصيف الباحثة المَدينية والعضو المؤسّس في «استديو أشغال عامة» نادين بكداش. في المقابل، كانت غالبية النازحين خارج هذه المراكز، في بيئة حضرية تفرض إيجارات مرتفعة وكلفة معيشية تثقل كاهل الأسر. وتلفت الدراسة إلى أن المدينة نفسها لم تعد صالحة لأن تكون ملجأ، إذ «لم تكن مُهيّأة لاستقبال هذا الكم الهائل من النازحين، الذي تجاوز 20% من عدد السكان، ما جعل الانتقال إليها انتقالاً من هشاشة إلى أخرى».
وزاد من تعميق هذه الهشاشة أسلوب السلطة في توزيع مراكز الإيواء، إذ لم يستند إلى معايير العدالة المكانية، بقدر ما خضع لاعتبارات دينية وطبقية ومناطقية. فاستُبعدت مناطق اعتُبرت مختلفة دينياً أو اجتماعياً أو سياسياً عن غالبية النازحين، فيما تحمّلت مناطق أخرى العبء الأكبر، في مخالفة لمبدأ التوزيع العادل للأعباء الذي تفرضه حرب بهذا الحجم. وبحسب إحصاء أجراه «استديو أشغال عامة» استناداً إلى بيانات وحدة إدارة الكوارث حتى 15 نيسان الماضي، تركّزت النسبة الكبرى من مراكز الإيواء في عدد محدود من المناطق العقارية، ولا سيما في الشطر الغربي من بيروت، حيث افتُتح 139 مركزاً، فيما بقيت مناطق مثل المدور والصيفي والرميل والأشرفية شبه مُستثناة، إذ لم يضم كل منها سوى ستة مراكز.
توزيع مراكز الإيواء لم يستند إلى معايير العدالة المكانية بقدر ما خضع لاعتبارات دينية وطبقية ومناطقية
ولعلّ أبرز تجلّيات هذه الهشاشة تمثّل في أزمة السكن، التي وضعت النازحين أمام ضغوط معيشية جديدة. فقد واجه هؤلاء صعوبة كبيرة في الوصول إلى مسكن، أو حُرموا منه بفعل اعتبارات مناطقية وطائفية، إلى جانب التفاوت المتزايد في القدرة على تأمين سكن لائق. وبذلك «خرج السكن من إطار الحاجة الإنسانية ليصبح الآلية الأساسية التي تنتقل عبرها كلفة النزوح وإدارته إلى الأفراد والأسر أنفسهم». ويؤكد ذلك الاستغلال الواسع الذي مارسه بعض المالكين وأصحاب العقارات، عبر فرض بدلات إيجار باهظة استغلّت حاجة النازحين الملحّة إلى المأوى.
البدائل المُمكنة
ولأن الدولة لم تُصحّح مسارها في إدارة ملف النزوح، واستمرّ تعطيل أدوات المعالجة تشريعياً وتنفيذياً، بادرت مجموعة من المنظّمات والهيئات المدنية إلى مقاربة الأزمة من زاوية مختلفة: ماذا يمكن فعله لمواجهة التهجير الذي يفرضه العدوان الإسرائيلي؟ وانطلاقاً من هذا السؤال، وجّهت رسالة من عشرة بنود إلى وزارة الشؤون الاجتماعية، بصفتها الجهة المُكلّفة بإدارة الملف، حملت رسالتين واضحتين: الأولى أن المقاربة الحالية، القائمة على التركيز على مراكز الإيواء وترك مئات آلاف النازحين رهائن لسوق السكن، لم تعد قابلة للاستمرار. والثانية أن المطلوب هو تغيير جذري في منطق الاستجابة، عبر الانتقال إلى تدخّلات مجتمعية تنطلق من المدن والأحياء التي يقيم فيها النازحون، وتستجيب لاحتياجاتهم في أماكن وجودهم.
وتلخّص بكداش هذه المقاربة بعبارة: «دعم الناس حيث هم، على قاعدة أن الناس لديهم خياراتهم، وعلى السلطة أن تعمل على تحسين هذه الخيارات وتنظيمها، لا قمعها». فالأزمة، برأيها، لا تحتمل نموذجاً واحداً للاستجابة، بل تتطلّب سياسات مرنة وعادلة تراعي تنوّع أوضاع النازحين واحتياجاتهم.
من هذا المنطلق، لا ينبغي حصر الإيواء بالمؤسسات التربوية، بل توسيع الخيارات عبر استثمار الموارد المُتاحة واعتماد نماذج بديلة، انطلاقاً من أن النزوح قضية وطنية لا تخصّ فئة بعينها. وتقترح بكداش، في هذا الإطار، إدراج المساحات العامة والمباني الشاغرة، العامة والخاصة، ضمن خطة الإيواء، ولا سيما أن نسبة الشقق والمباني غير المأهولة في بيروت تتجاوز 20%. وهذه النسبة، لو استُثمرت، تكفي لتخفيف اعتماد النازحين على سوق الإيجارات والحدّ من استغلالهم.
وقد أثبتت تجربة الحرب الأخيرة إمكان تطبيق هذا النموذج، بعدما حوّلت مئات العائلات المُهجّرة مبانيَ شاغرة إلى مساكن مؤقّتة، ولا سيما المساكن ذات الاستخدام الموسمي في المناطق الآمنة. فقد رصد «استديو أشغال عامة» استخدام ما لا يقل عن 27 مبنى داخل بيروت الإدارية كمساكن خارج منظومة الإيواء الرسمية، من بينها سوق الروشة التجاري وفنادق مهجورة في منطقة الحمرا.
أمّا المسار البديل الآخر، فيقوم على اعتماد نموذج «السكن المُيسّر مقابل الترميم»، وهو نموذج معمول به في العديد من التجارب الدولية لمواجهة أزمات النزوح والإسكان، ويتيح تأمين مساكن للنازحين مقابل إعادة تأهيل الأبنية المتضررة أو المهجورة.
أمّا الخلل الأكبر في إدارة ملف النزوح، فتمثّل في تجاهل الدولة لأزمة السكن، رغم أن غالبية النازحين لجأت إلى سوق الإيجارات. فقد تُركت الأسر تحت رحمة المالكين وأصحاب العقارات، في ظل غياب أي تدخّل رسمي لضبط الأسعار أو الحدّ من الاستغلال. ويرى «المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات» أنه كان الأجدى بالدولة تنظيم سوق الإيجارات عبر تحديد سقوف للأسعار، سواء من خلال مراسيم حكومية أو تشريعات مؤقّتة تمدّد عقود الإيجار القائمة بالشروط نفسها لفترة محدّدة، مع منح البلديات، بصفتها المستجيب الأول للأزمة، صلاحيات أوسع لمراقبة هذا السوق وتنظيمه.
وفي السياق نفسه، تشير بكداش إلى أن الدولة تجاهلت أيضاً اقتراحات قوانين لتنظيم الإيجارات وضبطها، آخرها مشروعا قانون قُدّما في شباط الماضي لتعديل قانون الإيجارات السكنية القديمة وتنظيم عقود الإيجار الحالية. ومع ذلك، لم يُدرجا على جدول البحث، رغم أن البلاد كانت تمرّ بإحدى أشد أزماتها الإنسانية والمعيشية.
الرضوان آلأخبآࢪية اخر الاخبار المحلية والدولية