🗞️ صحيفة الأخبار
بعض من أمضوا سنوات في التنديد بـ«الاحتلال السوري» لا يجدون حرجاً اليوم في استعادة الوصاية السورية نفسها، ويبدو أن المشكلة لم تكن في تدخّل دمشق في الشأن اللبناني، ولا في مبدأ الوصاية نفسه، بل في هوية من يمارسها. وما كان يُدان بالأمس باعتباره انتهاكاً للسيادة، يُمرَّر اليوم بصمت حين يأتي من سلطة سورية جديدة.
الأخطر أن هذه الوصاية لم تعد مجرد انطباع أو قراءة سياسية، بل تتبدّى في طريقة تعاطي السلطة الحاكمة في لبنان مع الطلبات الواردة من الجانب السوري. ففي غضون أشهر قليلة، بات القائم بأعمال السفارة السورية، إياد الهزاع، قادراً على تحريك سلطات لبنانية ومؤسسات قضائية وأمنية بإشارة منه، وعند الحاجة، يلجأ إلى مساعدة «صديق»، وهو مجموعة من رجال المندوب السعودي يزيد بن فرحان.
ويصبح الأمر أكثر خطورة عندما يتعلق بعمل القضاء، خصوصاً بعدما بلغت الوصاية على النيابة العامة التمييزية حدّاً غير مسبوق، تمثل بداية في طلب السعودية من القاضي أحمد رامي الحاج توقيف الزميل حسن عليق بسبب انتقاده النظام السعودي، ثم استجابة الحاج لضغط السلطة في بيروت ومن خلفها السعودية وسلطة محمود عباس بإعلان استعداده لتسليم السفير الفلسطيني السابق في لبنان أشرف دبور إلى رام الله خلافاً للقانون، وصولاً إلى تحركه أخيراً لملاحقة من تعتبرهم دمشق مطلوبين لها، وهو ما كشفته قضية اللواء السوري المتقاعد (قبل سقوط نظام بشار الأسد) عادل محمد عيسى (مواليد 1959)، الذي خطف واعتقل داخل السفارة السورية في بيروت ظهر الجمعة الماضي، فيما كان ينظّم وكالة قانونية لأحد أفراد أسرته المقيمين في سوريا.
كيف لملم لبنان الفضيحة؟
بعد ساعات من محاولات الكشف عن مصيره باءت جميعها بالفشل، كانت المعلومات قد أشارت بوضوح إلى نية فريق السفارة السورية، نقل عيسى إلى دمشق سراً، ومن دون أي اعتبار للمسار القانوني، إلا أن إثارة «الأخبار» للموضوع عطّل العملية، ليتخذ الأمر مساراً أكثر خطورة. فقد جنّدت السلطة اللبنانية نفسها لـ«لملمة» الفضيحة وإبعاد السفارة السورية عن الواجهة، فتحرّك الحاج، استناداً إلى طلب مباشر من السفارة السورية، عبر إصدار مذكرة توقيف بحق عيسى وصولاً إلى التلاعب بوثيقة توقيفه!
وتؤكد معلومات «الأخبار» إلى أن الوثيقة التي عُمّمت تتضمّن وقائع مغلوطة، إذ تفيد بأن دورية من المباحث المركزية أوقفت عيسى أمام السفارة السورية في 7 آب، واقتادته إلى قصر العدل في بيروت بناءً على إشارة الحاج، للاشتباه في ارتكابه جرائم إرهابية. إلا أن هذه الوقائع لا تتطابق مع ما جرى. فالسلطات اللبنانية لم تكن، حتى مساء 7 آب، على علم بهوية عيسى أو بمصيره، ولم يحصل الاتصال الأول مع ذويه إلا بعد وصوله إلى قصر العدل، بعد ظهر السبت 8 آب. كما أن الدورية الأمنية لم توقفه أمام السفارة السورية، بل تسلّمته إثر اتصالات جرت بين الجانبين. إذ إن عيسى دخل فعلياً إلى السفارة وحصل على رقم انتظار، قبل أن تطلب العناصر الأمنية هاتفه من السائق الذي كان ينتظره في الخارج.
تتضمن وثيقة توقيف اللواء السوري معلومات كاذبة عن كيفية اقتياده إلى قصر العدل وأخفت تسلمه من قبل أمن السفارة السورية بعد احتجازه فيها
والأهم أن عيسى لم يكن مطلوباً من الدولة اللبنانية، وإلا فكيف دخل الأراضي اللبنانية بموجب إقامة شرعية صادرة عن سلطاتها. والأمر نفسه ينطبق على وضعه في سوريا، حيث بقي في بلاده، ومثل أمام المحكمة، من دون أي إشارة إلى أنه كان مطلوباً أو فاراً من العدالة. بل إن الوثيقة الأمنية الخاصة بتوقيفه تؤكد عدم وجود أي بلاغ بحث وتحرٍّ أو مذكرة توقيف غيابية بحقه، فضلاً عن عدم وجود مذكرة استرداد صادرة عن السلطات السورية وموجّهة إلى لبنان.
ما تكشفه هذه الوقائع لا يقتصر على تجاوزات في ملف توقيف عيسى، بل يطرح سؤالاً أكبر حول حدود استقلال القضاء اللبناني، وما إذا كان النائب العام التمييزي يتعامل مع الأشخاص وفق مقتضيات القانون، أم وفق أهواء وضغوط خارجية، وصولاً إلى استخدام موقعه لتأمين ما يشبه «الحماية القانونية» لحلفاء سياسيين.
ويواجه عيسى اليوم احتمال تسليمه إلى السلطات السورية بتهمة المشاركة في الحرب السورية، وهو ما يعني عملياً تعريضه لخطر التعذيب أو التصفية أو الانتقام السياسي – الطائفي. وهي مخاوف لا تبدو نظرية، بعدما سلّمت الدولة اللبنانية، قبل أيام، «بطريقة سرّية»، السوري حسين الأحمد، المعروف بلقب «حيحو»، إلى السلطات السورية، إثر مطالبة دمشق به بذريعة شتمه نظام الشرع، بعدما كانت سفارة بلاده قد رفضت تسليمه جواز سفره.
وتحيط علامات استفهام بكيفية حصول عملية التسليم، في ظل غياب أي رواية رسمية لبنانية بشأنها. في المقابل، قالت السلطات السورية إنها أوقفت الأحمد بعد رصده عند الحدود اللبنانية – السورية.
لكن هذه الرواية تطرح بدورها سؤالاً بديهياً: لماذا كان «حيحو» يتوجّه إلى الحدود أصلاً، بعدما شتم الشرع؟ في المقابل، تفيد المعلومات بأن جهات لبنانية، بينها أفراد لديهم نفوذ في السلطة الأمنية، عمدت إلى استدراجه إلى إحدى النقاط، قبل خطفه، وتسليمه إلى عناصر أمنية سورية كانت في الانتظار عند الجانب السوري من الحدود.
وفي قضيتي عيسى و«حيحو»، تكمن المفارقة الأكثر فجاجة في صمت سفارات ومنظمات إنسانية وحقوقية لطالما رفعت شعار حماية حقوق الإنسان، واعتادت تصدّر المشهد كلما تعلّق الأمر بالسوريين. فقبل سنوات، كانت جمعيات ومنظمات تقف عند الحدود اللبنانية – السورية، وتُقيم الدنيا ولا تُقعدها رفضاً لإعادة سوريين إلى بلادهم في عهد نظام بشار الأسد.
أما اليوم، فتبدو المعايير وكأنها تبدّلت بتبدّل النظام في سوريا، تماماً كما تبدّلت نظرة بعض اللبنانيين إلى مفهوم السيادة، الذي خضع بدوره لعملية «إعادة تدوير» مع وصول الشرع إلى السلطة، وتحول دمشق إلى عاصمة مقبولة لدى عواصم «الرجل الأبيض». وبات، تبعاً لذلك، مقبولاً أن تتحول بيروت إلى منصّة لـ«اصطياد» معارضي الشرع، ومن خلفه محمد بن سلمان، ما دامت هوية الوصي الجديد تحظى برضى الأميركيين.
الرضوان آلأخبآࢪية اخر الاخبار المحلية والدولية