✍️بقلم د.خديجة فحص
خيّروه يومها: هل أنت عازمٌ حقًا على البقاء هنا؟ فالمكان خطير، والمستقبل مجهول، وأنت تعبو.يّ، ولست ملزمًا بالبقاء. قد نبقى هنا طويلًا، هل ستتحمّل الظّلام شهورًا؟ هل ستعتاد؟ ستشتاق للأحبّة، لأصواتهم. سينهش الشّوق روحك يا أخي. وإذا أصابنا العطش أو الجوع ومللت من أكل المعلّبات، ستشتاق لطبخ أمّك الدّافئ، ولفنجان قهوة صيفي على شرفات الجنوب، وعيون محبوبتك، وربّما مناغاة طفلك…
سأخيّرك للمرّة الأخيرة: إن كنت تريد العودة، فهذه فرصتك الأخيرة. ثمّ توجّه القائد إلى الجميع وقال:
أحبّائي…
«إنَّ هذا اللّيل قد غشيكم، فاتّخذوه جملًا».
في ذلك الوقت، لم تكن قد حانت بعد ذكرى عاشوراء، ولكنّّ كربلاء كانت حاضرة: وقفوا وقفة رجل واحد، توجّهوا بأرواحهم الى الحسين(ع): «واللّه ما تركناك يا أبا عبد اللّه». ثمّ غرسوا أرواحهم الحرّة هناك، في البقعة المباركة، عند التلّة، في مكان لا يعرفه إلّا هم وأيديهم القابضة على الزّناد، واسم التّلّة وحده كان يكفي ليعرفوا جميعًا إلى أين يذهبون.
وطالت الأيّام واللّيالي، لا قمر يرونه فيدلّهم على اللّيل، لكنه كان يراهم، فيرسم صورهم على صفحته، ويرسلها عبر المدى إلى أهلهم، يخبرهم أنّ أحبّتهم بخير؛ ولا شمس تدخل إلى شرفات صباحهم، لتذكّرهم بمواعيد قهوة الصّباح وابتسامات الأمّهات وضحكات الأطفال. كلّ هذا… ولا حَزَن. وهل يسكنُ الحزن قلوبًا صارت جدرانها مساجد للّه!
وحين تساوت لياليهم وأيّامهم، لم يعد الانتظار والشّوق همّهم. كان لهم همّ واحد: أن يقوموا للّه، وأن يثأروا للحقّ؛ لكلّ د.ماء الشّه.داء، للأرض الّتي اغتُصبت واستُبيح زيتونها وتينها، لسنابل القمح الّتي ملّت انتظار الحصاد حتّى أنهكها الانتظار وافترشت التّراب، للطّفل الّذي ما ملّ وهو يسأل عن أبيه، ولا يأتي أبوه، لأمّ قدّمت شه.يدًا، بستانًا من الشّه.داء،
لعروسٍ تركت أحلامها وثوب زفافها على عتبة الدّار، واكتفت بصورة حفرت عميقًا في قلبها، لكهلٍ كان آخر حلم له أن يُدفن في تراب قريته، ولم يترك له العدوّ سبيلًا…
أمّا نحن، المشتاقين إليكم، أيّها الشّجعان… الصّامتين وراء وجع غيابكم، المتحيّرين فيكم، في بسالتكم وشجاعتكم، ودفء قلوبكم العامرة بذكر اللّه فلا يسعنا إلّا الدّعاء لكم بالحفظ والنّ.صر والغلبة.
سينبلجُ فجركم يومًا أيّها الأحرار، وستشرقون أنتم شمسًا توقظُ كُلّ ضميرٍ وكُلّ قلب، وتسطعُ فقط بالحقّ. يومها سيذلُّ الخائفون، الخائنون لهذا العطاء ولهذه المسيرة، وسيسكتُ لسان المرجفين والباحثين عن الهزيمة والباكين على الأطلال.
أحبّائي… أنتم التّبيين والشّه.ادة والشّهود، فإذا انبلجت شمسكم عن نصر فهو وعد اللّه، وإذا أشرقت عن شهادة فهو أيضًا نص.ر اللّه، وكلا الحسنيين بهيٌّ وجميل.
دعاؤنا لكم بالحفظ والنّص.ر، سلامُ اللّه تعالى عليكم ورحمته وبركاته.
#منتدى_نسم_الثقافي #نسم #كتابات
الرضوان آلأخبآࢪية اخر الاخبار المحلية والدولية