📰 إطلاق مختطفين لبنانيين: السلطة تمنح العدو سيادة على مواطنيها

🗞️ صحيفة الأخبار

كل إطلاق سراح لأي معتقل لبناني من سجون الاحتلال، هو عمل جيد بمعزل عن الظروف التي رافقت العملية. وحرية من هم في الاعتقال والعزل، سواء الذين اختطفوا في 2024 أو 2025 أو 2026، أهم من كل جدال سياسي. لكن هذه الثابتة، لا تلغي أهمية النقاش حول قرار حكومة العدو إطلاق سراح خمسة من الذين اختظفتهم قوات الاحتلال في الجنوب، وهم جزء من مجموعة لا يوجد في لبنان اليوم أي إحصاء رسمي دقيق لها. وذلك ليس بسبب إهمال سلطة الوصاية فقط، بل لكون العدو لا يقرّ بالعدد الفعلي لمن اعتقلهم في المناطق التي احتلها أو التي توغل فيها، فيما الجميع يتحدث عن نحو 36 شخصاً، إضافة إلى مفقودين في كيان الاحتلال منذ أكثر من أربعين سنة.
ما حصل فعلياً هو أن المطالبة بالأسرى جرت من قبل وفد السلطة في المفاوضات، كما سبق أن أثيرت مع الجهات الدولية ولا سيما الصليب الأحمر الدولي، وكان جواب العدو بالرفض وعدم التجاوب، وعدم تقديم أي معلومات حولهم، ومنع الصليب الأحمر من زيارتهم، وهم الذين تبيّن أنهم نقلوا إلى سجن عوفر ومعتقلات النقب وسجن في قاعدة «سدي تيمان». وكل المحاولات التي جرت خلال عامين لم تثمر، لكن على هامش جولات روما التي شارك فيها الوفد العسكري إلى جانب الوفد السياسي، حصل أن حضر غال هيرش، وهو ضابط إسرائيلي يتولى مسؤولية «ملف الأسرى والمفقودين الإسرائيليين»، وقد حمل إلى المفاوضات مقترحاً باستعداد إسرائيل للبحث في عملية تبادل للأسرى والمعتقلين.
وعندما قال له الوفد اللبناني لأنه لا يوجد لدى لبنان أو المقاومة أي أسرى إسرائيليين، أخرج ملفاً وأشار إلى أنه توجد في لبنان مقابر لليهود اللبنانيين، وأن بعض هؤلاء أرسلوا عائلاتهم إلى إسرائيل بعد قيامها، وهذه العائلات تريد نقل رفات ذويها لدفنها في إسرائيل. وتم تحديد مجموعة قال العدو أن معلوماته تفيد بأنه تم نبش قبورها وليس معروفاً أين هي الآن. وفي جلسة لاحقة قال الوفد الإسرائيلي إنه مستعد لعملية تبادل في حال وفّر لبنان المعلومات عن هؤلاء أولاً، ثم أجرى عملية مبادلة. وقدم خرائط لأمكنة يعتقد أن هؤلاء دفنوا فيها، إلى جانب مقابر اليهود في صيدا وبيروت، كما قدم عيّنة من حمض الـDNA لتسهيل مهمة الجيش اللبناني في الكشف. وقد باشر الجيش العملية منذ وقت غير قصير، وعثر على رفات تبين أن فحوصاتها لا تتطابق مع ما أرسلته إسرائيل من عينات.
أخطر ما في ملف «التبادل»، هو أن سلطة الوصاية ممثلة بالرئيسين عون وسلام، تقر بواقع شديد الخطورة، يتمثل في منح إسرائيل حق السؤال عن مصير مواطنين لبنانيين، ولو كانوا من الطائفة اليهودية، وهو أمر يُعد أكبر نوع من تجاوز للسيادة اللبنانية، عدا عن أنه سيكون مدخلاً لمطالبات أخرى، خصوصاً أن بعض يهود لبنان الذين غادروا إلى خارج لبنان، وبعضهم انتقل إلى إسرائيل، يثيرون منذ وقت غير قصير موضوع أملاكهم في بيروت، وقد يحصل قريباً أن نسمع أن إسرائيل تطالب بتعويضات لهذه المجموعات علماً أن أملاكها لا تزال مسجلة بأسماء من يملكها، وحصل أن تولى محامون في بيروت وصيدا قضايا تخص هذه الأملاك، من بينها تحصيل بدلات إيجار من قبل مواطنين لبنانيين وإيداعها في حسابات بنكية تعود إلى أصحابها من اليهود الذين يعيشون في أوروبا.

لا يزال الصليب الأحمر ممنوعاً من زيارة الأسرى، وإسرائيل تنتظر نتائج البحث في خرائط وإحداثيات وDNA لتحديد مكان رفات «يهود لبنانيين» يريد العدو دفنها في الكيان

عملياً، لا يصحّ تقديم الإفراج الإسرائيلي عن خمسة معتقلين لبنانيين اليوم باعتباره تنازلاً إسرائيلياً خالصاً، ولا كإنجاز تفاوضي مكتمل. فالخطوة تأتي في إطار مسار أكثر تعقيداً، وهو أقرب إلى «تنفيسة» لمعالجة الانسداد في مسار المفاوضات المباشرة، وهو جاء بناء على طلب أميركي، من أجل «مساعدة الحكومة اللبنانية في مساعيها للإبقاء على المفاوضات». لكن العدو لم يتنازل من دون مقابل، بل حصل على ثمن سياسي وميداني أيضاً، بعدما انخرط لبنان في البحث عن 12 مفقوداً تطالب إسرائيل بمعرفة مصيرهم، وشارك، وفق ما أوردته صحيفة «يسرائيل هيوم» نقلاً عن مصادر مطلعة، خرائط وصوراً لمواقع ومقابر يُحتمل أن تقود إلى معلومات عنهم. ومن هنا، فإن الإفراج يبدو أقرب إلى أول تطبيق عملي لصيغة تبادل الخطوات، لا إلى مبادرة إسرائيلية منفصلة عن حسابات التفاوض.
توقيت الخطوة جاء بعد عودة السفير الأميركي ميشال عيسى من لقاء جمعه مع رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو، في سياق تحرك هدفه إخراج المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية من دائرة الوعود إلى إجراءات قابلة للقياس، ولا سيما أن ملف المعتقلين من الملفات التي طُرحت في الجولة السابعة من المحادثات التي استضافتها روما في آب بوساطة أميركية. وكانت القناة 12 الإسرائيلية تحدثت عن إفراج متوقع عن خمسة لبنانيين، بالتنسيق مع الولايات المتحدة، وقدمت الخطوة وفق توصيفها باعتبارها «بادرة حسن نية».
لكن المعلومات المتداولة عن الأسماء تكشف أيضاً بعض الالتباس في الملف؛ إذ أفادت معلومات صحافية بأن أربعة ممن كان متوقعاً تسليمهم هم علي شور، حسين عياش، أسعد الحسيكة ووسام إبراهيم الصماوي، وهم لبنانيان وسوريان، رغم أن أسماءهم لم ترد في اللائحة التي سبق أن وزعتها هيئة الأسرى.
أما مالك كمال غازي، فقد وصل إلى الجانب اللبناني عبر الصليب الأحمر الدولي، وتسلّمه الجيش اللبناني لإجراء الفحوص الطبية. ووفق المعلومات المتداولة، فإن غازي لا يدخل ضمن مجموعة الخمسة التي كانت موضع التفاهم في المفاوضات، ما يعني أن عملية الإفراج عنه منفصلة عن المسار الذي يجري الحديث عنه بين بيروت وتل أبيب، خصوصاً أن المعلومات كانت أشارت إلى أنه كان يريد الانتقال للعيش في إسرائيل بسبب صلات له مع أقرباء من دروز فلسطين.
وفيما نقل «إكسيوس» عن مسؤول في الخارجية الأميركية أن «إفراج إسرائيل عن الأسرى اللبنانيين جاء نتيجة وساطة أميركية»، فإن الرواية الإسرائيلية الرسمية بدورها تكشف طبيعة المقابل الذي تضعه تل أبيب خلف الخطوة. فقد أعلن مكتب نتنياهو أن رئيس الوزراء وجّه المسؤولين الإسرائيليين إلى تسريع البحث عن جثامين قادة من الجالية اليهودية في لبنان وإعادتها، وقال إن هؤلاء «اختطفتهم وقتلتهم منظمات إرهابية في منتصف ثمانينيات القرن الماضي». وأوضح أن نتنياهو يتابع القضية منذ عقود، وأن الأشهر الأخيرة شهدت جهوداً إسرائيلية ولبنانية للعثور على الجثامين، قبل أن يعلن أن الإفراج عن خمسة مدنيين لبنانيين جاء «على ضوء هذه الجهود».
وبحسب البيان الإسرائيلي، فإن التحقيقات خلصت إلى أن المحتجزين الخمسة مدنيون، ولا ينتمون إلى أي منظمة إرهابية ولم يشاركوا في أعمال إرهابية، ولذلك لا يوجد، ما يبرر مواصلة احتجازهم. لكن مجرد ربط الإفراج بهذا الملف يوضح أن إسرائيل لا تنظر إلى الخطوة باعتبارها استجابة مجانية للمطلب اللبناني، بل تضعها ضمن حزمة أوسع من المصالح التي تريد تحصيلها من المفاوضات.
وفيما أكد المسؤول الأميركي لـ«إكسيوس» أن بلاده «تواصل المساعدة للحفاظ على حوار يومي بين لبنان وإسرائيل»، يتزامن هذا المسار مع استمرار إسرائيل في إنتاج وقائع جديدة على الأرض. ففي مزرعة حلتا الحدودية، وبعد توغل قوة إسرائيلية تم اختطاف ثلاثة مواطنين لبنانيين ونقلهم إلى منطقة بسطرة. وهذه الواقعة، التي حدثت في اليوم نفسه من الإعلان عن الإفراج، تطرح سؤالاً جوهرياً حول جدوى الإفراج عن خمسة محتجزين إذا كانت إسرائيل قادرة في الوقت ذاته على إضافة ثلاثة آخرين إلى الملف.

شاهد أيضاً

بيان صادر عن كتلة الوفاء للمقاومة 03-09-2026:

عقدت كتلة الوفاء للمقاومة إجتماعها الدوري بحضور أعضائها كافة، وأصدرت البيان التالي: تستمر الولايات المتحدة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *