🗞️ صحيفة الأخبار
لم تمنع المفاوضات العسكرية اللبنانية – الإسرائيلية في تامبا، في ولاية فلوريدا الأميركية، العدو الإسرائيلي من مواصلة تصعيده الميداني والسياسي. وفيما كان الوفدان العسكريان يناقشان مقترحاً أميركياً لتنظيم آلية للتنسيق المباشر بين الجيش اللبناني وجيش الاحتلال، صعّدت تل أبيب تهديداتها، واتهمت الجيش اللبناني بـ«التقصير» في تنفيذ الترتيبات الأمنية، وصولاً إلى التشكيك في أدائه عبر الادعاء بوجود «تنسيق بين جهات داخل الجيش وحزب الله».
فقبل بدء الجلسة التي انطلقت قرابة الرابعة من بعد الظهر بتوقيت بيروت، في مقر القيادة المركزية الأميركية في تامبا، أعلن جيش الاحتلال أن حزب الله لا يزال يستخدم منشأة لتخزين الأسلحة في بلدة كفرا، رغم إعلان الجيش اللبناني اتخاذ الإجراءات اللازمة بشأنها، بعد طلب التعامل معها عبر الآلية الأميركية في كانون الأول 2025. ونشر الجانب الإسرائيلي مشاهد قال إنها تُظهر نقل أسلحة ومعدات من الموقع إلى شاحنة، معلناً استهداف الشاحنة وتدميرها. ثم انتقل إلى اتهام الجيش اللبناني بعدم تنفيذ مسؤولياته في إزالة سلاح الحزب وبناه العسكرية، مدعياً أن جهات داخل المؤسسة العسكرية نسّقت مع الحزب لتسهيل نقل أسلحة أو تأخير الإجراءات الأمنية.
في المقابل، أكدت قيادة الجيش أن الوقائع والإجراءات المعنية موثقة لدى لجنة الإشراف على وقف الأعمال العدائية، بما يدحض الادعاءات الإسرائيلية ويُظهر حقيقة الجهود التي تبذلها المؤسسة العسكرية في الجنوب. وشددت على أن تكرار حملات التضليل ونشر الأكاذيب من جانب الاحتلال يندرج في إطار محاولات النيل من مصداقية الجيش محلياً ودولياً، بالتزامن مع المفاوضات الجارية.
ورغم أن كل التقديرات التي سبقت الاجتماعات لم تحمل مؤشرات إلى إمكان تحقيق اختراق جدي، اختارت السلطة اللبنانية المشاركة فيها، وإن بوفد عسكري تقلّص من ستة ضباط إلى ثلاثة، في محاولة لإبقاء المسار التفاوضي قائماً، رغم اتساع الفجوة بين ما يجري البحث فيه وما تسعى إسرائيل إلى فرضه ميدانياً.
وكان لافتاً قبيل توجه الوفد إلى الولايات المتحدة، مع استئناف «جوقة بيروت وواشنطن» المعادية للجيش نشاطها، وسط مؤشرات على نية هؤلاء تصعيد الحملة ضد قيادة الجيش وتبنّي سردية الاحتلال بأن الجيش لا يقوم بنزع سلاح حزب الله لا في الجنوب ولا في أي منطقة أخرى.
عادت إسرائيل لتهدّد بتوسيع الاحتلال في حال دخل حزب الله الحرب مع إيران، ونتنياهو يرى تدمير الحزب ملازماً لإسقاط النظام في طهران
وبدأت اجتماعات تامبا أمس، وتستمر اليوم على مستوى تقني يقتصر على الجانب الأمني من الإطار الثلاثي. وبحسب معلومات «الأخبار»، خُصصت الجلسة الأولى لتقييم ما نُفّذ منذ الاجتماعات السابقة، ولا سيما الترتيبات الأمنية والمنطقة التجريبية الأولى، فيما يُفترض أن يُكرّس اليوم الثاني لبحث الإجراءات الممكنة لتطبيق التفاهمات. إلا أن هذه الأجندة تأتي وسط تشكيك في إمكان التوصل إلى خطوات عملية لوقف التصعيد، في وقت ترفع فيه تل أبيب سقف شروطها وتلوّح بتوسيع عملياتها داخل الأراضي اللبنانية.
وبحسب التعليمات التي أُعطيت للوفد العسكري اللبناني، يتمسك لبنان بآلية التنسيق القائمة عبر لجنة الميكانيزم، على أن يتولى الوسيط الأميركي التواصل مع كل طرف على حدة. كما أن الجيش اللبناني ليس في وارد تنفيذ أي إجراء تقني أو أمني في أي منطقة لا تزال خاضعة للاحتلال. وقدّم الوفد معطيات تفيد بأن قوات الاحتلال تمنع الجيش من الانتشار في مناطق لا تتمركز فيها قوات إسرائيلية، وتعمد إلى قصفها يومياً، بما يكرّس التعامل معها باعتبارها جزءاً من المنطقة الأمنية التي تسعى تل أبيب إلى فرضها.
وبالتزامن مع انطلاق الاجتماعات، أعلن وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس تمسّك بلاده بالمنطقة الأمنية التي أقامتها في الجنوب، مؤكداً أن الانسحاب منها لن يحصل قبل نزع سلاح حزب الله في كل لبنان. وتحدث عن منطقة تبلغ مساحتها نحو 700 كيلومتر مربع، تمتد من الساحل غرباً إلى محيط قلعة الشقيف وسلسلة جبال علي الطاهر وضواحي جبل الشيخ شرقاً، زاعماً أنها وفّرت مستوى غير مسبوق من الأمن للمستوطنات الشمالية.
وفي خطاب استعراضي موجّه إلى الداخل الإسرائيلي، حمل أبعاداً انتخابية، تفاخر كاتس بما وصفه إنجازات جيش الاحتلال، قائلاً إنه «دمّر أكثر من 60 قرية ونحو 23 ألف منزل كان حزب الله يستخدمها لأغراض عسكرية، وأدّت العمليات إلى إبعاد نحو 200 ألف شيعي عن المنطقة». ولم يكتفِ بتثبيت واقع المنطقة الأمنية القائمة، بل لوّح بتوسيعها باتجاه النبطية ونهر الليطاني، وإخضاع أي مناطق إضافية يحتلها الجيش للإجراءات نفسها، بما فيها إخلاء السكان.
وهدد كاتس بالرد بقوة على الضاحية الجنوبية لبيروت إذا أُطلقت نيران أو مسيّرات باتجاه المدن والمستوطنات الإسرائيلية، محذراً من أن حزب الله سيتلقى ضربة قاسية إذا انضم إلى أي هجوم إيراني على إسرائيل.
من جهته، ربط رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو المسار اللبناني بمواجهة أوسع مع إيران. وفي رسالة نشرها عبر منصة «إكس»، عقب محادثة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تعهّد بالعمل معه من أجل «القضاء نهائياً على تهديد النظام الإيراني»، معتبراً أن ذلك يقود إلى تدمير حزب الله. وقال إن ترامب أبدى دعمه له، وإن نتائج هذا التعاون ستظهر قريباً.
وتتزامن هذه التطورات مع تزايد المخاوف من تجدد المواجهة بين إيران وإسرائيل، وسط تحذيرات عربية وغربية تلقّاها لبنان من تداعيات أي ضربة أميركية محتملة على طهران. وبحسب ما ينقله الموفدون، ثمة خشية من أن تؤدي مواجهة إقليمية جديدة إلى إعادة إدخال لبنان في حسابات التصعيد، ولا سيما مع بروز مؤشرات إلى احتمال إعادة تفعيل معادلة «وحدة الساحات».
وفي الداخل، تتزامن هذه الضغوط مع الخلاف المتصاعد حول سلاح حزب الله، مع سلوك السلطة مساراً لا يدفع إلا باتجاه الصدام، إذ يبدو أنها قرّرت أن تأخذ بنصيحة الأميركيين الذين يشجعونها على مواجهة المقاومة ولو أدى ذلك إلى حرب أهلية.
بري: الكل مسؤول عن حماية الاستقرار
واستشعاراً لهذا الخطر، شدّد رئيس مجلس النواب نبيه بري على أن «الاستقرار وحماية البلد مسؤولية الجميع»، داعياً «كل الأطراف» إلى التوقف عن كل ما من شأنه زيادة التوتر وتعميق الانقسامات الداخلية. وتوقف عند مظاهر التوتر ذات الطابع الطائفي، سائلاً: «هل يعقل أن تصل الأمور إلى حدّ منع لبناني من شراء عقار في منطقة لبنانية بسبب خلفيته الطائفية؟».
وأكد بري، من جهة أخرى، أن إلغاء قانون مقاطعة إسرائيل الصادر عام 1955 لن يمرّ في المجلس النيابي، في موقف يأتي على وقع الضغوط الأميركية الرامية إلى إلغاء القانون، والتحركات التي يقودها بعض النواب في هذا الاتجاه.
ورداً على سؤال لـ«الأخبار» عن هذه الضغوط والمساعي النيابية، شدّد بري على أن الأمور في لبنان ليست متروكة بلا ضوابط، قائلاً: «يخطئ من يعتقد أن الأمور فلتانة وأن البلد فلتان. البلد لم يفلت بعد». وأضاف، بنبرة ساخرة: «أنتظر على أحرّ من الجمر أن يتقدم أحد باقتراح قانون في هذا الشأن».
وكان السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى قال الأسبوع الماضي، لدى سؤاله عن موافقة الرئيس بري على إلغاء قانون تجريم التواصل مع إسرائيل: «عطول بتجيبولي نبيه بري. شو نبيه بري لحالو بقرر يعني؟ بدنا
نخلص منها هالشغلة»!
واستدعى عيسى الأسبوع الماضي 11 نائباً من كتل نيابية مختلفة، وأثار معهم موضوع الدعوى ضد سفيرة لبنان في واشنطن ندى معوض لاتصالها بالسفير الإسرائيلي في واشنطن، فاعتبر أن الوقت حان لإلغاء قانون مقاطعة إسرائيل، خصوصاً في ضوء قرار رئيس الجمهورية إجراء مفاوضات مباشرة.
وفيما تبارى نواب «جوقة المصفّقين» لأي وصيّ، وعلى رأسهم ميشال معوض، في ممالأة السفير الأميركي والمزايدة بضرورة تنفيذ كل ما يطلبه العدو الإسرائيلي بذريعة تسهيل وقف إطلاق النار، رفضت النائبة ندى البستاني التي مثّلت التيار الوطني الحر، إلغاء المقاطعة في وقت تواصل فيه إسرائيل اعتداءاتها اليومية على لبنان وتقتل المواطنين وتجرف القرى.
الرضوان آلأخبآࢪية اخر الاخبار المحلية والدولية