كلمة الأمين العام لحزب الله سماحة الشيخ نعيم قاسم خلال الحفل التأبيني لمناسبة الذكرى السنوية الثانية على رحيل ‏فقيد الجهاد والمقاومة القائد الجهادي المؤسس الحاج محمد حسن ياغي (أبو سليم)‏

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد الله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق مولانا محمد، وعلى آل بيته ‏الطيبين الطاهرين، وصحبه الأبرار المنتجبين، وعلى جميع الأنبياء والصالحين والشهداء إلى قيام يوم الدين.‏
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.‏

اليوم الذكرى السنوية الثانية لِفقيد الجهاد والمقاومة، القائد المؤسس الحاج أبو سليم محمد حسن ياغي. سنتحدث في ‏هذه الذكرى عن الفقيد الكبير، وعن خصائصه، وعن عمله، إضافة إلى ذلك سنتعرض للموضوع السياسي بعد ذلك.‏

الحاج أبو سليم منذ الشباب الأول، وهو في مسيرة الإسلام المحمدي الأصيل، كان في شهر آذار سنة 1974 من ‏الحاضرين في مهرجان القسم للإمام المغيب موسى الصدر، اعاده الله تعالى ورفيقيه، ثم التحق مباشرةً بحركة ‏المحرومين، وتسلّم مناصب عدة، آخرها المسؤول التنظيمي لإقليم البقاع. والمعلوم أن عمر الحاج أبو سليم عندما ‏كان في مهرجان الإمام الصدر 14 سنة، يعني هو بدأ في سن مبكرة في أخذ هذا الاتجاه.‏

كان الفقيد الكبير من مستقبلي طلائع الحرس الثوري الإسلامي الإيراني سنة 1982، اشتهر بقوله: “هؤلاء رُسل ‏الإمام الخميني إلينا”. تسلّم في حزب الله مسؤوليات عدة، مسؤولية مقر بعلبك في حزب الله، كان لفترة من الزمن ‏نائب مسؤول منطقة البقاع عندما كان سماحة سيد شهداء الأمة السيد حسن نصر الله رضوان الله تعالى عليه ‏مسؤولًا للمنطقة، ثم بعد ذلك تسلّم مسؤولية المنطقة. تسلّم أيضًا مسؤولية وحدة الأحوال المركزية، ومسؤولية ‏الإعلام المركزي في حزب الله.‏

هو من سنة 1989 إلى سنة 1993 عضوًا في شورى حزب الله لِدورتين متتاليتين، وكان نائبًا لِرئيس المجلس ‏التنفيذي أيضًا لِسيد شهداء الأمة السيد حسن رضوان الله تعالى عليه. كان واضحًا أن العلاقة والمتابعة والواقع ‏العملي كانت في فترات متعددة مع سماحة السيد قدّس سرّه.‏

اختارته الشورى نائبًا عن حزب الله عن منطقة بعلبك الهرمل من سنة 1992 إلى سنة 1996، ثم مرة ثانية من سنة ‌‏2000 إلى سنة 2005. هو في الحقيقة بقي في مواقع عدة مؤثرًا فاعلًا عاملًا مجاهدًا متصدّيًا، ومن سنة 2019 ‏إلى وفاته سنة 2023 كان معاونًا تنفيذيًا للأمين العام.‏

قال تعالى في كتابه العزيز:‏
‏﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ ‏يَحْزَنُونَ﴾.‏
هو من مصاديق هذه الآية الكريمة.‏

عندما نتحدث عن شخصية الحاج أبو سليم القائد المؤسس، نتحدث عن قدوته، من كان يقتدي بهم هذا القائد ‏الجهادي. كانت قدوته الأولى المرجع الأعلى السيد محمد باقر الصدر رضوان الله تعالى عليه، الإمام موسى الصدر ‏أعاده الله سالمًا ورفيقيه، وبعد ذلك الإمام الخميني قدّس سرّه، الإمام الخامنئي دام ظله.‏

إذاً هو في الأجواء الإيمانية لِقادة كبار عظماء مؤسسين مبلغين عاملين في سبيل الله تعالى، يُحيون هذا الدين إحياءً ‏عظيمًا. وفي هذه المرحلة تعرّف على سماحة السيد حسن رضوان الله تعالى عليه، وصاحبه في العمل الجهادي في ‏عدة مواقع، سواءً في حركة أمل أو بعد ذلك في حزب الله.‏

وكان أول التعارف هو سنة 1978، يعني قبل انتصار الثورة الإسلامية المباركة في إيران بسنة، وقبل نشوء حزب ‏الله بأربع سنوات. تعرّف هناك في بعلبك في حوزة الإمام المنتظر التي أسسها الشهيد السعيد سيد شهداء المقاومة ‏السيد عباس الموسوي رضوان الله تعالى عليه، وبنى معه علاقة ممتازة عملية وجهادية، وفي الوقت نفسه مع سيد ‏شهداء الأمة.‏

يعني المحيط الذي أحاط بالحاج أبو سليم هو محيط هؤلاء العلماء الكبار الذين تزود منهم، وعمل مع سماحة السيد ‏حسن وسماحة السيد عباس رضوان الله تعالى عليهما.‏
نستنتج من حياته الجهادية أن نهج المقاومة هو حياته، وأنه كان قائدًا ميدانيًا يُشارك في التظاهرات، يتحدث عن ‏الشعارات، يقول الأناشيد، يمارس عمل اللطم، وبالتالي حتى كان ينشد: “باقر الصدر منا سلاما”. بمعنى آخر، هو ‏كان قائدًا في الميدان.‏

كل قادة حزب الله قادة في الميدان، كل العاملين في هذا الخط قادة في الميدان. ميزته أنه كان جزءًا لا يتجزأ من ‏المسيرة العملية في كل المواقع الجهادية. كان ينظر إلى الأفق المستقبلي، أي أفق ينظر إليه، ينظر إلى أن يكون من ‏جند الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف، يعمل لهذا الانتظار العظيم، وبالتالي تأسيسه حياته، حركته، هي ‏كلها في اتجاه إعلاء كلمة الحق ونشر العدالة التي يريد أن ينشرها إمامنا المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف.‏

الحاج أبو سليم مؤمن رسالي شجاع من أولي البأس، هو صاحب نخوة وصاحب حسٍ اجتماعي متواضع، بذل كل ‏حياته بحمل هموم الناس، وخصوصًا الفقراء، وبالعمل مع المجاهدين، والمشاركة في كل تحرّك وحركة حزب الله ‏الجهادية المتكاملة والمترابطة.‏

والحمد لله كان لي النصيب الأكبر أن أكون معه، وأن أعمل معه، مع الإخوة المؤسسين لهذا الحزب. تصاحبنا في ‏محطات عديدة وكثيرة، واستمررنا دائمًا في التشاور والتعاون. هو أخٌ عزيز وحبيب من الجيل المؤسس، موضع ثقة ‏الأمين العام السيد حسن رضوان الله تعالى عليه.‏

أُحيّي عائلة الفقيد الحاج أبو سليم، القائد الجهادي المؤسس، أُحيّي عائلته الشريفة، زوجته وأولاده وإخوته، وكل ‏المحيطين به. هو إضاءة لهذا النور الكبير، وهم أيضًا يُمثلون هذا النهج، لأنهم كانوا لا يفترون على الإطلاق عن هذا ‏الطريق، وعن هذا التوجه.‏

الحاج أبو سليم هو أيضًا نموذج مهم عن احتضان أهل البقاع وبعلبك الهرمل للمقاومة والشرف والعزة والكرامة. لا ‏يمكن أن نذكر الحاج أبو سليم والقادة العظماء أمثال السيد عباس الموسوي رضوان الله تعالى عليه، إلا ونذكر أهل ‏البقاع، أهل بعلبك الهرمل، الذين كانوا من المتصدّين الأوائل لمشروع مواجهة إسرائيل ودعم المقاومة. أعطوها كل ‏شيء.‏
كانت نشأة حزب الله من منطقة بعلبك الهرمل، وكانوا دائمًا هم السبّاقين إلى عطاءات الدم، وعطاءات البذل، ‏وعطاءات الجهاد. والآن لنا كل الفخر أن يكون البقاع، بعلبك الهرمل، في صدارة المواجهة، وفي صدارة الدفاع عن ‏الجنوب، وعن لبنان، وعن قضية فلسطين، وعن الحرية والكرامة والفخر.‏

إلى هؤلاء العظماء الذين قدّموا في مسيرتنا، إلى روح الحاج أبو سليم، والسيد عباس، وكل الذين قدّموا شهادةً ‏وتضحيةً وفقداً في سبيل إعلاء كلمة الحق والمقاومة، نُهدي ثواب السورة المباركة الفاتحة مع الصلاة على محمد ‏وآل محمد. ‏

قبل أن أتحدث عن الموضوع السياسي، أُريد أن أذكر ثلاثة أمور:‏

أولًا، نحن في ذكرى ولادة السيد المسيح عيسى بن مريم، سلام الله تعالى عليه، هو نبيٌ من أنبياء أولي العزم‎
الخمسة، هو الذي نشر رسالة السماح والمحبة والأخلاق والفضيلة على مستوى العالم. مُبارك لمسيحيي لبنان والعالم‎
هذه الولادة الميمونة المباركة، وإن شاء الله تسود تعاليمه السماوية في التربية والأخلاق والمحبة والفضائل كل هذا‎
الفضاء العالمي الذي نحتاج إلى أن نُوجهه باتجاه الفضائل والأخلاق‎.‎

الأمر الثاني، نحن في بدايات شهر رجب. شهر رجب هو شهر الرحمة، هو الشهر الذي يصب الله تعالى فيه الرحمة ‏صبًا على عباده كما ورد في الروايات، وهو من أشهر النور الثلاثة: رجب، شعبان، رمضان. قال رسول الله صلى الله ‏عليه وآله وسلم: “رجب شهر الاستغفار لأمتي، أكثروا فيه من الاستغفار فإنه غفور رحيم”. يتميز هذا الشهر ‏بمجموعة من ولادات أئمة أهل البيت عليهم السلام وشهادات أئمة أهل البيت عليهم السلام. منهم في الأول من رجب ‏مولد الإمام علي الهادي سلام الله تعالى عليه، في الثاني من رجب استشهاد الإمام علي الهادي في سنة ٢٥٤ ‏للهجرة، في السادس من رجب شهادة الإمام موسى الكاظم عليه السلام ١٨٣ للهجرة، في العاشر من رجب ولادة ‏الإمام الجواد عليه السلام في سنة ٩٥ للهجرة، و13 رجب ولادة أمير المؤمنين سلام الله تعالى عليه علي بن أبي ‏طالب، الذي ملأ الآفاق بِعطاءاته وجهاده وكان صنو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‌‎.‎

الأمر الثالث، أُعزّي بِوفاة العالم الرباني المجاهد والمقاوم سماحة الشيخ رضا مهدي، الذي كانت له الأيادي الفاضلة‎
في التربية والتثقيف والتوجيه في المنطقة الغربية لِبيروت من خلال جمعية علم الهدى، والعلاقات مع الناس، ومن ‏خلال تجمع علماء جبل عامل. هو صاحب تاريخ حافل بالمساعدات للمقاومين المجاهدين، وله علاقات واسعة ‏ومتنوعة. لقد ترك بصمةً مهمة، رحمه الله. إلى عائلته الكريمة وإلى كل المحبين نُعزيهم ونُهديه ثواب السورة ‏المباركة الفاتحة مع الصلاة على محمد وآل محمد‎.‎

نَبدأ بالوضع السياسي‎.‎

أولًا، لبنان اليوم في قلب العاصفة وعدم الاستقرار، ولكن ما هو السبب؟ السبب أميركا الطاغية والعدو الإسرائيلي،‎
هما السبب الأساسي والمركزي والأول لِعدم الاستقرار في لبنان، وللكثير من المشاكل والتعقيدات التي أصابت ‏اللبنانيين‎.‌‏ من ناحية، رعت أميركا الفساد في لبنان وحمت رؤوس الفساد، ومن سنة 2019 وهي تعمل على تخريب ‏الوضع الاقتصادي والوضع الاجتماعي، وتُثير الفتن، وتُقيم العقوبات، وتعمل على الوصاية، والآن هي تتحكم بكثير ‏من المفاصل اللبنانية، وهذا ما يُسبب عدم الاستقرار والمشكلة في لبنان. والسبب الثاني هو العدو الإسرائيلي الذي لم ‏يتوقف عن عدوانه، والذي كان دائمًا له أطماع في لبنان. هو كيان غاصب توسعي، يعتدي على لبنان في محطات ‏مختلفة، ولم يتوقف عدوانه الأخير رغم الاتفاق الذي انعقد في تشرين الثاني سنة 2024‌‎.‎

أما المشاكل الداخلية في لبنان من الفتن والفساد والرواد المعروفون، فهؤلاء يتغذون من الحضور الأمريكي ‏والعدوان‎
الإسرائيلي للأسف. في المقابل لدينا مسار لحزب الله في لبنان، كل مسار الحزب مُشرق ومضيء ومتلألئ. حزب الله‎
ومقاومته الإسلامية حرروا لبنان، وليس جنوب لبنان فقط، حرروا لبنان، طبعًا بالتعاون مع كل المقاومين الشرفاء من‎
الأحزاب والفصائل المختلفة، ومن كذلك الدعم الموجود من الجيش اللبناني، من الشعب، يعني لم يكن حزب الله وحده،‎
لكن هو مُضيء في التحرير وتقديم التضحيات من أجل الوطن ومن أجل طرد إسرائيل من بلدنا‎.‎

تَميز حزب الله أيضًا بِنظافة الكف في العمل النيابي والعمل الحكومي، والعلاقة مع السلطة، وكذلك في خدمة الناس،‎
بحيث أنك أينما سألت عن نواب حزب الله، وزراء حزب الله، عن العاملين في الحقل العام، ترى أن الحديث دائماً عن‎
التضحية ونظافة الكف والإنجازات، والقدرة العملية المهمة التي تنفع الناس. كذلك كانت لِحزب الله مساهمة في بناء‎
الدولة، دائمًا نعمل على أن نبني وأن نكون ضمن القوانين، وأن نبتعد عن كل الأوضاع الشعبية التي تُبعد عن الالتزام‎
بالقوانين‎.‎

وأما خدمة الناس فهو أساس وأصل. قال تعالى: ‏”أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ، فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلا يَحُضُّ عَلَى ‏طَعَامِ الْمِسْكِينِ، فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ ‏عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ، الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ”. نحن جماعة ‏خدمة، خدمة للناس، ليس من أجل لا الانتخاب ولا من أجل أن نمثل الناس، وإنما من أجل أن نقوم بواجبنا مع الله ‏تعالى تجاه هؤلاء الناس‎.‎

إذن سيرة حزب الله ودور حزب الله ومكانة حزب الله كلها سيرة نظيفة، متلألئة، عظيمة بالأخلاق والعمل والسياسة‎
وبناء الدولة والمقاومة والتحرير. نحن اليوم أمام مفصلٍ تاريخي: إما أن نُعطي أميركا وإسرائيل ما تريدان، وهما‎
يُريدان الوصاية الأميركية الكاملة على لبنان وبداية تفتيت لبنان وذوبانه من خلال التحكم الإسرائيلي بِأرضه، على‎
الأقل من خلال الجنوب، ومن خلال السيطرة الأمنية الكاملة على لبنان، وإما أن نَنهض وطنيًا فنستعيد سيادتنا‎
وأرضنا ونبني دولتنا ووطننا‎.‎

نحن أمام مفصل تاريخي لهذين الخيارين. توجد قضيتان مطروحتان بشكل أساسي وبارز وفي الأولوية: القضية ‏الأولى‎
نزع السلاح، يطرحها الأميركي والإسرائيلي، ويُساعده بعض من في الداخل في لبنان. القضية الثانية استعادة سيادة‎
لبنان من خلال طرد إسرائيل وبناء الدولة، وهذا أيضًا له جمهوره الواسع والمؤثر بِحمد الله تعالى‎.‎

طيب، إذا أتينا لموضوع نزع السلاح، كيف نراه كقضية؟ نزع السلاح هو مشروع إسرائيلي أميركي، حتى ولو سموه ‏في هذه المرحلة حصرية السلاح، هذا لا يُغير من الوجهة لأن التوقيت توقيت على الإيقاع الأميركي الإسرائيلي. طيب ‏إذا كنتم تقولون أنه لا، ليس له علاقة، طيب أجلوا موضوع حصرية السلاح حتى ننتهي من الوضع القائم ومن ثم ‏نرى ماذا نعمل بموضوع حصرية السلاح. أما أن تطلبوا حصرية السلاح في الوقت الذي تعتدي فيه إسرائيل وتدخل ‏أميركا في الوصاية على لبنان، وتُجرد لبنان من قوته، فمعنى هذا أنكم لا تعملون لِمصلحة لبنان، وإنما تعملون ‏لِمصلحة ما تُريده إسرائيل‎.‌‏ ‏

ونحن نسمع كما يسمع الجميع، نزع السلاح هو جزءٌ من مشروع يصل إلى إنهاء قدرة لبنان العسكرية.‏
هذا واحد، واثنين: ضرب القدرة المالية والاجتماعية لفئة وازنة من اللبنانيين‎.‎
‏3- إيقاع الخلاف بين حزب الله وحركة أمل من أجل تفتيت هذه القدرة المتماسكة. ‏
‏4- إيجاد الفتنة بين الجيش اللبناني والمقاومة والناس على قاعدة تخريب وضع هذا البلد بطريقة يصبح فيه ضعيفًا ‏جدًا ومحتاجًا للآخرين. ‏
‏5- إبقاء الاحتلال للنقاط الخمسة التي أصبحت تسعة وغير ذلك، وأن يبقى هذا الاحتلال يَقتل ويُجرف ويَعتدي في كل ‏لبنان وينتهك الأجواء والبحر والبر من دون حسيب ولا رقيب. ما هي النتيجة التي يُريدونها من هذا المسار الذي ‏عنوانه الأساس نزع السلاح؟ النتيجة يُريدون إنهاء المقاومة ومعها ضم جزء من لبنان وتحويل باقي لبنان إلى أداة ‏تُديرها أميركا وإسرائيل.‏

أنا سأجري مقارنة، هذه ثانياً سأجري مقارنة سريعة لأُبين لكم الفارق بين ما نُطالب به ونَعمل له، وبين ما يُطالب به ‏الآخرون. يعني ما نُطالب به هو السيادة، ما يُطالب به الآخرون نزع السلاح. سأُجري مقارنة بين احتلال إسرائيل ‏للجولان واحتلال إسرائيل لجنوب لبنان. احتلت إسرائيل الجولان سنة 1967 وبقي محتلاً بالتوازنات الموجودة في ‏المنطقة، ولكن بعد ذلك ضمت إسرائيل الجولان إليها واعترف الأمريكي بالضم، وأكدوا ذلك مُجددًا من خلال الرئيس ‏ترامب. ما الذي سبّب هذا الضم بعد أن كان احتلالًا؟ السبب الأساسي المركزي هو عدم وجود مقاومة.‏

أما في جنوب لبنان، سنة 1978 حصل احتلال إسرائيلي وبدأوا يهتمون ببقعة من جنوب لبنان لتكون نموذجًا من ‏نماذج فصلها عن لبنان تدريجيًا من خلال أدوات لبنانية متآمرة وعميلة، على قاعدة أن يضموه بعد ذلك. جاء اجتياح ‏سنة 1982، وصلوا إلى العاصمة بيروت، وجدوا أنهم يستطيعون أن يأخذوا أكثر بالإحتلال، لكن المقاومة هي التي ‏طردتهم سنة 1985، ثم طردتهم بالكامل بتحرير عظيم سنة 2000. لم يستطيعوا أن يُثبتوا احتلالهم لِينقلوه إلى ‏الضم، لم يستطيعوا، وبقي هذا الأمر كل هذه الفترة من الزمن. يعني 42 سنة من المواجهة والصراع والقتال عطّل ‏على إسرائيل إمكانية ضم أي قطعة من القطع.‏

الآن إسرائيل تحتل، صحيح، لكن كم ستستمر باحتلالها؟ صحيح أن الاحتلال يُحاول أن يأخذ مكتسبات، لكن أمامنا ‏تجربة 42 سنة عطّلنا على إسرائيل ما تُريد. اليوم إذا استطاعت إسرائيل أنه خلال سنتين تتحكم بطريقة معينة، فهذا ‏لا يعني أنها ستضم، ولا تستطيع أن تضم مع وجود المقاومة. النتيجة نجحت الدولة في لبنان لأن فيها مقاومة، ‏وأخفقت الدولة في سوريا لأنه ليس فيها مقاومة. كم ستبقى إسرائيل محتلة ومعتدية مع وجود المقاومة والجيش ‏والشعب؟ ستخرج إسرائيل عاجلًا أم آجلًا.‏

اليوم الذين يسيرون بالخط الآخر يُحاولون أن يقولوا لنا: “طيب خلّينا نعمل يا أخي بشكل تدريجي”. يعني هؤلاء ‏الذين لديهم نفس مُتفاهم على الوطنية ويريدون حقيقةً أن يُصلحوا في الوضع الداخلي، لكن ليسوا على وضع المؤيد ‏بالكامل لِموضوع المقاومة، يعني عندهم شيء من التأييد، لكن هم ليسوا منغمسين بشكل كامل. يقولون لنا: ” خلّينا ‏نقدّم شيء للإسرائيليين لَحتى بس نسكّتهم عنّا”. “يا أخي كم صرنا مقدّمين للإسرائيلي؟ صرنا أكثر من سنة على ‏الاتفاق وتقديم وعطاء، مع ذلك الإسرائيلي ما عم بيقلّ، لا عم بيملّ ولا عم بيوقف”.‏

نفّذ لبنان كل مندرجات الاتفاق، وزادت حكومة لبنان تنازلات مجانية للعدو الإسرائيلي، ولم يعطِ الإسرائيلي شيئًا. طيب ‏الاتفاق ماذا يقول؟ لأن البعض صاروا الآن يُفسّرون من جديد الاتفاق. الاتفاق ماذا يقول؟ البند الأول: ستنفذ إسرائيل ‏ولبنان وقف الأعمال العدائية. هل توقفت؟ لم تتوقف من جهة إسرائيل. الثاني: إسرائيل لن تقوم بأي عمليات عسكرية ‏هجومية ضد الأراضي اللبنانية، بما في ذلك الأهداف المدنية أو العسكرية أو غيرها من الأهداف التابعة للدولة، عن ‏طريق البر والبحر والجو.‏

عادةً عندما يتكلم واحد عن اتفاق، يبدأ يتكلم بأول بندين، ثلاثة بنود، أربعة بنود. طيب أول بندين يقولان: وقف ‏العدوان، أول بندين يقولان: لا توجد هجمات من أي نوع، لا على المدني ولا على العسكري. ونأتي للبند 12، الذي ‏يقول: الانسحاب التدريجي والانتشار للجيش خلال ستين يومًا، ويذكر هذا الاتفاق أن المقصود به جنوب نهر ‏الليطاني، خمس مرات يذكر جنوب نهر الليطاني.‏
والله أنا مُتعجب من الذي لا يرى الانسحاب الإسرائيلي، ولا يرى المطلوب من إسرائيل، ويُحاول أن يُفسر الاتفاق ‏بِمزيد من المطالب على حزب الله وعلى لبنان. يا أخي أنظر إلى المقلب الآخر، أُنظر إلى الإسرائيلي ماذا يعمل. ‏المقاومة التزمت مع لبنان، ولبنان التزم بمضمون الاتفاق من خلال الدولة والجيش، ومن خلال تعاون المقاومة ‏والشعب، وإسرائيل استمرت بالقتل والغارات والدخول الأمني إلى لبنان بأشكال مختلفة، من خلال الجنسيات المختلفة، ‏والاختطاف الأخير الذي حصل للمواطن النقيب المتقاعد أحمد شكر من قلب الأراضي اللبنانية في منطقة زحلة. ‏
طيب أين الدولة اللبنانية ومسؤوليتها؟ الدولة هي المسؤولة. السيادة تعني أن لا تُخترق هذه الدولة، لا بالمخابرات ‏ولا بالأمن ولا بالعدوان ولا بأي شيء آخر. لا يحصل أي تصدّي، لا يحصل أي محاولة مواجهة للكيان الإسرائيلي من ‏قبل أصدقاء لبنان كما يقولون. طيب إذا كان لبنان ليس لديه القدرة على أن يضمن السيادة، كيف يُريد أن يتخلى عن ‏قوته وعن قدراته وعن معنوياته؟

تعرفون لماذا يتهمون الجيش أنه لم يُنفّذ بِشكل صحيح في جنوب نهر الليطاني، أو أنه بطيء في جنوب نهر ‏الليطاني؟ لأنهم يُريدون من الجيش أن يُنفّذ بِمشهد قسوة وفتنة وقتال، حتى يبدوا بأنه يد بطّاشة، لأنهم لا يعرفون ‏أن جيشنا اللبناني جيش وطني. جيشنا من أبناء هذا الوطن. جيشنا جيش يُريد أن يُحرر الأرض، يُريد السيادة، لا يُريد ‏أن يشتغل بمشروع إسرائيل وأمريكا.‏

أغاظهم مشهد التعاون من قبل المقاومة، الذي كان تعاونًا مثاليًا نموذجيًا بِتسهيل عمل الجيش في أن ينتشر.

ثالثًا، ربما تُريدون أن تسألوا أو بعضهم يقول: نحن نُريد أن نعرف الموقف الآن بعد انتهاء هذا الشهر، ما هو موقف ‏حزب الله؟ الموقف الرسمي هو التالي: ما أنجزه الجيش اللبناني من الانتشار في جنوب نهر الليطاني خلال الفترة ‏الماضية، كان مطلوبًا أن يُنجزه في حال التزمت إسرائيل، التزم العدو الإسرائيلي بوقف العدوان والانسحاب وإطلاق ‏الأسرى وبداية الإعمار. مع ذلك نحن سهلّنا، والجيش انتشر وعمل ما يقوم به من واجب. أما مع عدم تنفيذ العدو ‏الإسرائيلي لأي خطوة من خطوات الاتفاق، بل للإختراقات التي تجاوزت العشرة آلاف، مع القتل والتدمير وكل ‏الأعمال الشنيعة، فلم يَعد مطلوبًا من لبنان أي إجراء على أي صعيد قبل أن يلتزم الإسرائيلي بما عليه، عليه أن يلتزم ‏بكل ما عليه، بعد ذلك تعالوا احكوا. أمّا التبرع للعدو بإجراءات إضافية، سواء من الدولة اللبنانية أو غير ذلك، أو ‏إبداء الاستعدادات المجانية، فهو تنازل وتبرع غير مسؤول، لا بل هو خطير ويتهدد المصالح الوطنية الكبرى. لا ‏تطلبوا منا شيئاً بعد الآن، وليس مطلوباً من الدولة أن تكون شرطياً عند إسرائيل، ولا أن تكون بلا سيادة. يجب أن ‏يتوقف العدوان، وحتى أُفسّر لكم ماذا يعني يتوقف العدوان: يتوقف العدوان جواً وبراً وبحراً، بالإعتداء وبوجود ‏الطائرات وبالتجسس وبكل أشكال العدوان. ويجب أن يتم الإنسحاب بالكامل، ليس من نقطة واحدة أو نقطتين، بل‎
كل الإنسحاب الذي ورد في الاتفاق يجب أن يتم، وأن يُطلقوا سراح جميع الأسرى، وليس بعض الأسرى، وأن نبدأ‎
بالإعمار الواضح ابتداءً من الجنوب، بحيث تعود القرى. هذا هو تطبيق الاتفاق. لنقوم أولاً بالإنتهاء من تطبيق ‏الاتفاق، بعد ذلك احكوا، بعد ذلك طالبوا، بعد ذلك يقدرون أن يقولوا إنه توجد خطوة ثانية مفروض أن تُعمل، أو ثالثة ‏أو رابعة‎.‎

يقول السفير الأمريكي في لبنان لِبعض من حوله عندما يسألونه: طيب لماذا إسرائيل لا تلتزم تلتزم؟ قال: ما هذا أمر‎
طبيعي، إسرائيل أقوى، والقوي يفرض شروطه. ها، يعني المطلوب أنه واحد يستطيع بالقوة أن يُسيطر على العالم ‏ويعتدي على العالم ويظلم العالم ويأخذ الذي يُريده؟ نحن نقول: لأننا أصحاب أرض، ولأننا نُريد العدالة، يجب وقف ‏العدوان وخروج إسرائيل. يعني نحن نذهب لِموضوع الحق، ليس موضوع القوة، لأنه يوجد اتفاق ويوجد حق لنا. ‏طيب ليقوموا بِتنفيذ الاتفاق وليعطونا الحق. أمّا إنه والله إنه أقوى، طيب أنا أقول لكم شيء: إسرائيل متفوقة ‏عسكرياً، هذا صحيح، لكننا متفوقون بحقنا وأرضنا وقرارنا بالمقاومة‎.‎

إسرائيل تُهدد بالحرب وتُوقع الخسائر، لكنها لن تُحقق أهدافها. نحن سندافع ونصمد، وسنحقق أهدافنا ولو بعد حين‎.
‏42 سنة من إذلال إسرائيل وتحرير الأرض مؤشر على اتجاهنا. سنتان من التغول لن تتجاوز معادلة الشهداء‎
والأرض والتضحيات، وإنّا على العهد. أقول لهم: اركبوا أقصى خيلكم، وتعاونوا مع أسوأ خلق الله، واستخدموا‎
وحشيتكم وإجرامكم، ولكن لن نَتراجع ولن نَستسلم وسندافع. لقد رأيتم بعض بأسنا وصمودنا في معركة أولي البأس. ‏هذا هو نهجنا. هذه أرضنا وبلدنا وحقوقنا، لن تنتزعها إسرائيل وأمريكا وخدامهما‎.‎

اتعظوا مما حصل: أتى 75 ألف جندي وضابط إسرائيلي ولم يستطيعوا أن يتقدموا في مواجهة المقاومة عند الخطوط‎
الأمامية، بِبركة هؤلاء المجاهدين الاستشهاديين الأبطال العظماء الذين صمدوا، والذين قدموا أسطورةً للعالم. أردتم ‏منع‎
الإعمار من أجل إيجاد فتنة بين المقاومة وبين الناس. طيب، نحن ماذا عملنا بالمقابل؟ استطعنا إيواء وترميم 400 ‏ألف‎
منزل لعائلة، يعني 400 ألف رجعوا على بيوتهم المرممة أو استأجروا بيوتاً لأن بيوتهم مهدمة بالكامل، ولم تتمكنوا‎
من إيجاد هذا الشرخ‎.‎

عملتم على إيجاد خلاف بين حركة أمل وحزب الله، لكن الحمد لله تعالى العلاقة اليوم بين حزب الله وحركة أمل متينة‎
وقوية. يا جماعة، عائلات أمل وحزب الله واحدة، أرض أمل وحزب الله واحدة، وطن لبنان الذي يُريده حزب الله ‏وحركة‎
أمل عزيزاً كريماً قوياً سيداً مستقلاً واحد في النظرة. لدينا جميعاً شهداء وجرحى، لدينا جميعاً آلام مشتركة، سنبقى‎
يداً واحدة غصباً عنكم أيها الكفار، أيها الأعداء، أيها الحاقدون والحانقون‎.‎

وهذا كله طبعاً بالتعاون مع الحلفاء من الطوائف والأحزاب. لسنا وحدنا: حزب الله وأمل، معه أحزاب وقوى وطوائف‎
وجماعات ومجتمعات مدنية وغير ذلك. كلهم هؤلاء على نفس الاتجاه ونفس الخط، وهذه مصدر قوة. اسمعوا ماذا ‏تقول‎
العوائل في بيئتنا ومنطقتنا، ماذا يقول أولئك الذين تعرضوا للتهجير والنزوح وتعرضوا لأن يخسروا أبناءهم ‏وأموالهم‎
وإمكاناتهم. اسمعوا الأطفال ماذا يقولون، اسمعوا النساء ماذا يقولون. كلهم صوت واحد: نُريد العزة وسنعطي أكثر‎

فأكثر، لكن لن نتنازل ولن نتراجع. واليوم هؤلاء أكثر تمسكاً بالسلاح والمقاومة وحق الدفاع‎.‎‏

من حقنا أن نُدافع. نحن لا نقوم بعمل عدواني، نحن نقوم بعمل دفاعي، وهذا حقنا الطبيعي والمشروع. لا يستطيع ‏أحد‎
أن يسلبه منا. وفي الوقت نفسه، نحن نُشارك في بناء الدولة ونُقدم أفضل تجربة ونموذج. طبعاً هذا كله عمل لديهم ‏حالة من الإرباك والرعب والمشكلة.‏

رابعاً: إذا أردتم حلاً، يُنفذ العدو الإسرائيلي ما عليه من الاتفاق، بأن يَخرج من لبنان وأن يُوقف عدوانه براً‎
وبحراً وجواً، في كل المناطق اللبنانية، بكل أشكال العدوان، وأن يُفرج عن كل الأسرى، وأن لا يُعيق عملية‎
الإعمار، لا هو ولا أميركا. بعد أن يحصل هذا الأمر، نُناقش استراتيجية الأمن الوطني بِإيجابية كاملة وبِتعاون كامل ‏لما‎
فيه مصلحة لبنان وقوة لبنان‎.‎

وأقول للبنانيين: لن يُبقوا لبنان إذا ذهب جنوبه، وكل اللبنانيين مَعنيون بِوحدة الكلمة لإنقاذ لبنان. لا يجوز أن يُقال: ‏أن العبء والله علينا. لا، “العبء على الكل لازم يكون”. أنا هنا أُريد أن أقول: لا أحد له حق أن يقول لنا: لماذا ‏تدافعون عن أنفسكم؟ نحن الذين يجب أن نقول لهم: أنتم أجيبوا لماذا لا تدافعون عن لبنان؟ ولماذا لا تحمون ظهر من ‏يدافع عن لبنان؟ ولماذا لا تقفون مع سيادة لبنان ووطنية لبنان؟ الذي لا يُدافع نُريد أن نسأله، الذي لا يقف ويتصدى ‏نُريد أن‎
نسأله، الذي لا يعمل وحدة وطنية نُريد أن نسأله‎.‎

أُؤكد لكم: هو مركبٌ واحد في لبنان. من يعتقد أنه يُريد رمينا في البحر لِتكون له الغنيمة، أنا أقول له: انظر أين‌‎
تضع قدميك. أمّا السباحون فلا يغرقون مهما كان البحر عميقاً، وإذا لم ينجو السباحون من العاصفة القوية فلن ينجو‎
أحد ولن يبقى شيء. نحن مطمئنون كحزب الله ومقاومة أننا سنبقى أعزة أقوياء مدافعين شجعان مهما كانت ‏الصعوبات‎
والتضحيات. الله معنا، والحق معنا، وشعبنا معنا، ومن كان مع الله لا يُبالي أوقع على الموت أم وقع الموت عليه‎.‎

فالموت أجلٌ بِيد الله تعالى، أمّا الموقف فمسؤوليتنا ونحن لهذا الموقف. الرحمة كل الرحمة للحاج الفقيد المؤسس‎
المجاهد الكبير الحاج أبو سليم، ولكل الشهداء الأبرار، وأسأل الله تعالى أن يَشفي الجرحى ويُفرج عن الأسرى. إلى ‏روح الفقيد العزيز الحاج أبو سليم، وكل الشهداء، وكل الذين فقدناهم على هذه الطريق، نُهدي ثواب السورة ‏المباركة‎
الفاتحة، مع الصلاة على محمد وآل محمد، والسلام عليكم‎.‎

العلاقات الاعلامية في حزب الله
الأحد  28-12- 2025‏
‏07 رجب 1447 هـ

شاهد أيضاً

📰 مصدر رسمي: لا يقين بشأن مستقبل «الميكانيزم»

🗞️ صحيفة الأخبار في وقت تحوّل كلام الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، حول …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *