كلمة الأمين العام لحزب الله حجة الإسلام والمسلمين سماحة الشيخ نعيم قاسم في الذكرى السادسة لشهادة القائدين الحاج ‏قاسم سليماني والحاج أبو مهدي المهندس

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق مولانا وحبيبنا وقائدنا أبي القاسم محمد ‏وعلى ‏آل بيته الطيبين الطاهرين وصحبه الأبرار المنتجبين وعلى جميع الأنبياء والصالحين إلى قيام يوم الدين. السلام ‏عليكم ورحمة الله ‏وبركاته.‏
اليوم الذكرى السنوية السادسة للشهيد القائد الكبير الحاج قاسم سليماني، نُحيي هذه الذكرى معاً ونتحدث عن الشهيد وإخوانه ‏بشكل ‏عام، وكذلك عن الوضع السياسي، لكن نبدأ بالمناسبة العظيمة التي نحن عليها اليوم، مناسبة 13 رجب، ولادة أمير ‏المؤمنين سلام ‏الله تعالى عليه، علي بن أبي طالب عليه السلام. هذه الولادة التي أعطت للبشرية عطاءات كثيرة جداً. عندما ‏نذكر الإمام علي عليه ‏السلام يتبادر إلى الذهن أمران مباشران: الأول هو الزهد عند علي عليه السلام، والثاني هو العدل ‏الذي اشتهر به. هو الزاهد ‏والقائل: «ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طعمه بقرصيه، ألا وإنكم لا تقدرون ‏على ذلك، ولكن أعينوني بورع ‏واجتهاد وعفة وسداد». وهو العادل الذي قسم الأموال في بيت مال المسلمين بالتساوي، وهو ‏الذي عزل الحكام الذين كانوا ‏مُفسدين، وتحمّل الصعوبات الكثيرة خلال السنوات الخمس لحكمه بسبب عدله وارتباطه ‏بخالقه، يعمل في طريق الحق‎. ‎
قال عنه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في غدير خم: «فَمَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا عَلِيٌّ مَوْلَاهُ، اللهم والِ مَن والاه، وعادِ مَن ‌‏عاداه، وانصُر مَن نصَره، واخذُل مَن خذَله، وأدِرِ الحقَّ معه حيث دار‌‏».‏
وقال عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في التعبير عن مكانته ودوره وما فعله للإسلام يوم اجتمع الأحزاب من كل ‏حدب ‏وصوب في معركة الخندق، فتصدى أمير المؤمنين سلام الله تعالى عليه لعمرو بن عبد ود العامري، وقال عنه النبي ‏صلى الله عليه وآله ‏وسلم: «لَضَرْبَةُ عَلِيٍّ يَوْمَ الْخَنْدَقِ تَعْدِلُ عِبَادَةَ الثَّقَلَيْنِ‌‏».‏
الحمد لله الذي أنعم علينا بأمير المؤمنين علي عليه السلام‎.‎
نبحث ونتحدث عن الحاج قاسم سليماني، الفريق القائد الكبير، رضوان الله تعالى عليه، هو الذي ولد في محافظة كرمان، ‏وانضم ‏إلى الحرس الثوري الإسلامي في سنة 1980، أي من أوائل تشكيل الحرس عند انتصار الثورة الإسلامية المباركة ‏سنة ‌‏1979، وارتقى بسرعة في مواقع مختلفة بسبب صفاته المميزة‎. ‎
الحاج قاسم كانت له كفاءة عسكرية ملفتة، وقدرة إدارية عظيمة، وهو دائم الاطلاع والمعرفة والتدرب والتدريب. خاض ‏جبهة ‏الدفاع المقدس في المواجهة التي حصلت لثمان سنوات بين إيران والعراق‎.‌‏ له وعي سياسي استراتيجي، يفكر بأبعاد ‏الأمور ويحلل المواقف العسكرية على ضوء الرؤية الاستراتيجية. هو رجل الميدان، كان ‏دائماً يتواجد في كل الميادين حيث ‏يتطلب الأمر، ليس قائداً على المكتب أو عن بُعد، هو قائد في قلب الميدان، يقتحم قبل المقتحمين، ‏ويخطط بناءً على ‏الجغرافيا وعلى الرؤية المباشرة. شجاع ومقدام، كثير المطالعة. أذكر قصة معه: كنت قد كتبت كتاب «خليفة الله» وأهديته ‏إياه، وبعد أسبوعين التقيت معه، بدأ يناقشني بمضمون الكتاب، قلت له: ‌‏«قرأتَه؟» قال: «أنا دائماً أقرأ في أوقات الفراغ‌‌‏»، ‏إلى آخره… هو كان يهتم بأحوال المجاهدين، وكان يراعي وضعهم الاجتماعي. أُصيب إصابات عديدة في جسده بسبب ‏خوضه ‏للمعارك المختلفة‎.‎
ميزة الحاج قاسم سليماني أنه مع هذه المكانة العظيمة كان دقيقاً جداً في الحكم الشرعي. سماحة الإمام القائد الخامنئي دام ظله ‏قال ‏عنه: «كان دقيقاً جداً في مراعاة الحدود الشرعية». وقال عنه: «وكان أيضاً صاحب تدبير»، فكان يفكر ويدبر، وفوق ‏كل هذا ‏إخلاصه المميز‌‏. هو مصداق الآية الكريمة: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ ‏لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ‌‌‏».‏
هو نموذج الطاعة لله تعالى، نموذج المشروع الإسلامي الأصيل الإنساني الذي يعمل لمصلحة الإنسان‎. ‎
قَلّده الإمام القائد الخامنئي دام ظله أعلى وسام شرف في الجمهورية الإسلامية، لم يُعطَ لأحد قبله، وهو وسام «ذو الفقار‌‏».‏

نظرة القائد إلى القائد الخامنئي دام ظله، نظرة سليماني إلى القائد الخامنئي دام ظله، نظرة فيها حب وولاء وتفاعل وطاعة، ‏وهذا ‏أحد أسباب النجاح الأساسية في العلاقة مع القيادة الحكيمة‎. ‎
قال سليماني عن سماحة القائد: «من خلال تجربتي العشرين عامًا التي كنت فيها في خدمة القائد، رأيت نتيجة التقوى التي ‏تصير ‏ثمرتها حكمة تجري على اللسان وعلى القلب والعقل، رأيتها بالكامل في القائد‌‏».‏

نستطيع القول أن الحاج قاسم، الفريق الشهيد الكبير العظيم، قائد محور المقاومة، أنه كان من عشاق الإمام الخميني قدس ‏سره، ‏وكان ذائباً في شخصيته، وهذا ما نلمسه من خلال الوصية التي كتبها‌‏. هو وعى باكراً هذا التفاعل وهذه العلاقة. ‏
كان للشهيد علاقة مميزة مع سماحة سيد شهداء الأمة السيد حسن نصر الله رضوان الله تعالى ‏عليه. في الحقيقة، الأخوة ‏بينهما كانت مميزة جداً، كانا يشتاقان إلى بعضهما‎. ‎
أنا أذكر أنه في بعض الأحيان كان يذكر لنا سماحة السيد أنه التقيت أمس بالشهيد القائد سليماني، نسأل: «كان هناك شيء؟ ‌‏موضوعات خاصة؟». قال: «لا، اشتاق لي، فجاء إليّ». وطبعاً دردشنا بالأوضاع العامة، الأوضاع السياسية، الأوضاع ‌‏الجهادية، أوضاع المنطقة، مواجهة إسرائيل، مواجهة أمريكا. هذا أمر طبيعي، لكن لم يكن هناك موضوع محدد الهدف ‏للمجيء ‏من أجله، وإنما وجد أنه مضي وقت وأنه يجب أن نلتقي‌‏ وإذ به يأتي من أجل هذا الموضوع‎. ‎
حتى أذكر أنه قبل شهادته بيوم، عندما أتى من سوريا إلى لبنان، أتى فقط من أجل أن يسلّم على سماحة السيد، ثم بعد ذلك ‏ذهب إلى ‏سوريا، واغتالته أمريكا (ترامب) في العراق في المطار‌‏. وكان سبب مجيئه إلى سماحة السيد هو هذا الحب، هذه ‏العلاقة الإسلامية الأخوية الإنسانية التي ترجمت في الميدان، علاقة حميمة ‏ومؤثرة وفاعلة في كل المحور بحمد الله تعالى‎.‎
ما الهدف الذي كان يعمل عليه الشهيد سليماني؟ هو قائد قوة القدس منذ سنة 1998، والهدف الأساسي دعم المقاومة في ‏فلسطين ‏وفي المنطقة، في لبنان وسوريا والعراق واليمن، وإحباط مخططات أمريكا‎. ‎
هنا يمكننا أن نرى من خلال تعيين قوة القدس، ومن خلال وجود الحاج قاسم على رأسها، كم هو اهتمام الجمهورية ‏الإسلامية ‏المباركة في إيران بقضية فلسطين، وهذا بدأ مع الإمام الخميني قدس الله روحه الشريفة، ثم تابعه الإمام الخامنئي ‏دام ظله، لما لهذه ‏القضية من محورية وأساس في منطقتنا وفي العالم‎.‌‏ هو كان قائد المحور‎. ‌‏ أذكر تماماً أنه عندما عُيّن سنة ‌‏1998 وتواصل مع لبنان، لأن دائرة قوة القدس هي خارج إيران من أجل فلسطين ولبنان ‏موقع أساس، شعرنا أن متغيّرًا ‏حصل، الإمكانيات أصبحت كبيرة جداً، التدريبات أصبحت كبيرة جداً، كذلك الخطط والأعمال ‏التي تصب في قوة المقاومة ‏وعزة المقاومة وقدرة المقاومة وتحقيق الأهداف التي تريدها المقاومة. حقيقة، بذل الحاج قاسم الكثير، وكان له قدرة، وأيضاً ‏له إيمان بهذا الموضوع‎.‎
هنا لابدّ أن نسجّل مع الحاج قاسم، دور الجمهورية الإسلامية الإيرانية الرائدة والداعمة للمقاومة وفلسطين ومساندة قضايا ‏العدل ‏والإنسانية‎. ‎
وأيضاً نسجّل أهمية المقاومة الفلسطينية وشعب فلسطين وغزة والضفة وكل العطاءات التي قدمها هذا الشعب. حسب آخر ‌‏الإحصاءات، تقريباً ربع مليون من الشهداء والجرحى الذين قدمتهم غزة خلال الحرب والمواجهة في طوفان الأقصى مع ‏العدو ‏الإسرائيلي الأمريكي‎. ‌‏ هؤلاء قدموا تضحيات عظيمة جداً للمقاومة، ولكنهم لم يخضعوا. وهذه نقطة مهمة جداً‎.‎
لبنان أيضاً نموذج للتضحية والعزة والتحرير، وحقق إنجازات كبيرة. لبنان بمقاومته وشعبه وجيشه، وعلى رأس الجميع ‏سيد ‏شهداء الأمة السيد حسن نصر الله رضوان الله تعالى عليه، الذي أعطى روحه وحياته وولده وكل ما يملكه قربةً إلى الله ‏تعالى من ‏أجل هذه القضية العظيمة، قضية فلسطين‌‏. مع الشهداء الأبرار، مع الناس، مع كل التضحيات التي نراها مؤثرة ‏في حياتنا ونراها مؤثرة في منطقتنا. ‏
لابدّ من تحية اليمن هذا ‏النموذج للنصرة للحق بشجاعة وتضحية‌‏. ولابد أن نحيي العراق المساند بحب وعطاء‎.‎
إذًا، هذه الساحات كلها في الحقيقة كانت محور حركة الشهيد قاسم سليماني. هو نموذج للقادة وللمسيرة. خسرناه بيننا، لكنه ‏ربح ‏وسام الشهادة في مواجهة الطاغوت الأمريكي والإجرام الصهيوني‎. ‎
وأقول للحاج قاسم: نحن مستمرون، أحباؤك مستمرون، أولادك مستمرون، شعوب المنطقة مستمرون. وبالتالي دماؤك ‏أعطتنا ‏شحنة إضافية‎. ‌‏ إذا ظنَّ العدو أنه بقتلك يستطيع أن يوقف هذا الزخم، فهو مخطئ جداً. هذا الزخم مستمر بحمد الله ‏تعالى‎.‎
هنا لابد من ذكر الشهيد العظيم أبو مهدي المهندس، الذي كان مصاحباً دائماً للشهيد قاسم سليماني‎. ‎
أبو مهدي المهندس شخصية عراقية مؤمنة رسالية مميزة، سيرته عظيمة، دوره كان دوراً مركزياً في طرد داعش من ‏العراق، ‏وكان له دور مركزي في تأسيس الحشد الشعبي، وفي القوة التي تنامت في داخل العراق الحبيب، واستطاع العراق ‏أن يسقط ‏مشروع دولة داعش‎. ‌‏ ‏
طبعًا لأن هذا الإسقاط لداعش هو إسقاط لمشروع أمريكي‎، استهدفت أمريكا الشهيد قاسم سليماني والشهيد أبو مهدي المهندس ‏لأنها تريد أن تشكل حماية لما أسسته. كما ذكرت كلينتون أنهم ‏هم الذين ساهموا بتأسيس داعش‎. ‌‏ إذًا، هذا دفاع عن داعش ‏وعن سقوط المشروع المقابل. ولكن إن شاء الله بعطاءات دماء الشهيد أبو مهدي المهندس والشهيد قاسم سليماني هذا الأمر ‌‏سيستمر‎.‎

هنا، ومن باب التذكير والوفاء، لابد أن نذكر شهداء حرس الثورة الإسلامية المباركة من القادة الذين قدموا في لبنان وسوريا ‌‏وفلسطين في هذه المنطقة‎:‌‏ الشهيد السيد أبو علي حجازي،‎ ‎الشهيد السيد رضي الموسوي،‎ ‎الشهيد الحاج أبو مهدي زاهدي،‎ ‎الشهيد عباس نيلفروشان،‎ ‎الشهيد محمد سعيد إزدي (الحاج رمضان)‌‎.‌‏ هؤلاء الشهداء قدموا‎. ‎
وبالمناسبة، حيث أعلنت حركة حماس أسماء شهداء قادتها الخمسة الكبار، هم أيضاً في هذا الصف وفي هذا العطاء وعلى ‏طريق ‏القدس‎. ‎
أذكر شهداء حماس المباركين والأعزاء: الشهيد محمد السنوار، قائد هيئة الأركان، الشهيد أبو عبيدة حذيفة الكحلوت،‎ ‎الشهيد ‏محمد شبانة،‎ ‎الشهيد حكم العيسى،‎ ‎والشهيد رائد سعد‎.‎
كما أننا الآن في أجواء ذكرى أربعين الشهيد السيد أبو علي الطبطبائي رضوان الله تعالى عليه‎. ‎
هي ثلة شهداء قدموا وأعطوا وضحّوا على هذا الطريق‌‏. لكن السؤال المركزي: هل أعطوا وانتهوا؟‌‏ وهل أن قتلهم جعل ‏مسيرتنا تعيش حالة إرباك؟‌‏ لا أبداً، مسيرتنا مستمرة قوية، تأخذ من زخمهم، وإن شاء الله مستمرة أقوى فأقوى‎.‎
إلى أرواح الشهيد قاسم سليماني، وأبو مهدي المهندس، وكل الشهداء الذين ذكرناهم وفي كل الساحات والذين لم نذكرهم من ‏الذين ‏قدموا في هذا العطاء، ومعهم وعلى رأسهم سيد شهداء الأمة السيد حسن نصر الله رضوان الله تعالى عليه، نهدي ‏السورة الفاتحة ‏مع الصلاة على محمد وآل محمد‎.‎
أتحدث عن ثلاثة أمور لها علاقة بالوضع السياسي‎:‎
أولاً: زرَع الاستكبار العالمي، الذي تمثّل ببريطانيا وفرنسا، ثم بعد ذلك بأمريكا ودول أخرى في الغرب، زرعوا إسرائيل ‌‏لأهداف توسعية وثقافية واقتصادية واجتماعية وسياسية‌‏. يعني الكيان الإسرائيلي ليس زرعاً جغرافياً فقط، الكيان الإسرائيلي ‏هو زرع ثقافي حضاري له علاقة بتغيير منهجية تفكير ‏والسيطرة على الاقتصاد وعلى الأجيال القادمة‌‏. هذا كله جزء من ‏مشروع زرع إسرائيل لتكون العصا عندما تحتاج إليها، وتكون التي تبث أفكارها وقناعاتها عندما لا تحتاج إلى ‏العصا‎. ‎
منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، هذا الكيان بدأ التأسيس له من خلال بريطانيا‎، وهذه النقطة الجغرافية التي اختاروها في ‏منطقتنا هي نقطة حساسة ومؤثرة ومهمة‎، ولذا كان اختيارها. ‏
في تلك الفترة‌‏ بعد تأسيس الكيان الإسرائيلي بالـ47، كانت إيران الشاه تلعب دور الشرطي في الخليج، وكانت تخيف كل ‏منطقة الخليج.‌‎ ‌‏ كان لابد من علاقة بين الشاه وإسرائيل من أجل تقوية إسرائيل، ولأن الأهداف واحدة مع أمريكا والشاه‌‏. ‏وهذا الأمر بقي على قلب منطقة الخليج لفترة طويلة من الزمن، إلى أن انتصرت الثورة الإسلامية المباركة بقيادة الإمام ‏الخميني ‏قدس الله روحه الشريفة‎.‎
عندما انتصرت الثورة الإسلامية سنة 1979، انقلب المشهد بالكامل، لم تعد إيران في حضن أمريكا، ولم تعد ‏إيران متحالفة ‏مع إسرائيل، وإنما جاء من يرفع الشعار العملي: «لا شرقية ولا غربية»، لا انتماء لأمريكا ولا انتماء للاتحاد ‏السوفيتي‌‏. ‏وبالتالي استطاع الإمام الخميني قدس الله روحه الشريفة أن يشق طريق إيران نحو الاستقلال والتميز والتلألؤ، قائمًا بعيدًا ‏عن ‏معادلات السيطرة الشرقية أو الغربية‎.‎
بوجود إيران الإسلام فتحت باب المقاومة، فتحت باب دعم الشعوب نحو حقوقها، فتحت باب استعادة القضية الفلسطينية ‏لوهجها ‏ودورها‌‏. لأنكم تعرفون أنه يومها 1978، يعني قبل سنة أو أقل من انتصار الثورة الإسلامية المباركة، كانت عملية ‏كامب ديفيد قد تمت، ‏وبالتالي كان يفترض أن المنطقة كلها تروح للاستسلام الكامل وإعطاء إسرائيل ما تريد‎. ‎
بمجيء الثورة الإسلامية المباركة، صار هناك حدّ، لم تعد تستطيع إسرائيل أن تُكمل، ولا عادت أمريكا قادرة أن تُكمل، ‏بدأت نهضة الشعوب من خلال المقاومة، ودعم الجمهورية الإسلامية يؤثر في المنطقة بشكل كبير‎. ‎
طبعاً، شعوب المنطقة كلها تواقة إلى الاستقلال، وتواقة إلى الحرية، وتواقة إلى تحرير فلسطين‎. ‌‏ ولذلك المقاومة أخذت بُعداً ‏في منطقتنا، وخاصة في فلسطين ولبنان، كان هذا هو الأبرز‎.‎
عندما نرى المواقف، والله يُقال أن هناك تشابه في المواقف بين حزب الله والجمهورية الإسلامية المباركة، وبين المقاومة ‌‏الفلسطينية والجمهورية الإسلامية، وبين أي فصيل من الفصائل أو أي دولة من الدول والجمهورية الإسلامية: هل هذا محل ‌‏إشكال؟‎ ‎لا، هناك تلاقح في المواقف‎، هل هذا يضر بالوطنية؟‎ ‎أيضًا لا، لا يضر بالوطنية، لأنه لا يوجد شيء وطني منفصل ‏عن القومي، منفصل عن العالمي‎.‌‏ يعني دائماً، أي جهة، أي بلد، أي فصيل، أي جمعية، أي مؤسسة تكون في أي مكان في ‏العالم، في أي وطن في العالم، أكيد هناك ‏شيء يشابهها، أفكاره مثل أفكارها‎، هناك أحد يقبل أن يدعم هذا الاتجاه، فتنشأ ‏علاقات وطنية قومية عالمية‎.‌‏ ولذلك، علاقتنا نحن مع إيران علاقة طبيعية جداً، لأن هذا التماهي موجود‎.‎

اليوم الاستكبار مع من يتماهى؟‎ ‎يتماهى مع أتباعه، الذي بالتالي يمدّ يده عالمياً إلى الدول، إلى القومية، إلى الوطنية‎.‌‏ أي بدل ‏أن يستنجدوا وطنياً به من أجل قضاياهم الوطنية، لا، الاستكبار هو الذي يأتي إليهم ليفرض شروطه ويفرض قناعاته ‌‏وأهدافه‎.‌‏ هذا أولاً‎.‎
ثانياً: ميزة محور خيار المقاومة بأن التقاطع في الرؤية جعل كل فريق من أفرقاء محور المقاومة يلبّي حاجاته، يلبّي ‏متطلباته‎.‌‏ أي اليوم حزب الله يتعامل مع إيران ويتعاطى مع إيران وتدعمه إيران‌‎.‌‏ حسنًا، ماذا أخدت إيران مقابل هذا الدعم؟‎ ‎لم تأخذ منا، إيران لا تدعم من أجل أن تأخذ في الاقتصاد والسياسة والثقافة، لأنه نحن عندنا مشروع، هذا المشروع يتقاطع ‏مع المشروع الإيراني ‏أخلاقياً، إنسانياً، من ناحية الاستقلال، من ناحية تحرير فلسطين‎، أي العناوين، عناوين المشروع، ‏عناوين الرؤية الثقافية، عناوين الرؤية السياسية متقاطعة‎.‌‏ لكن ليس هناك أهداف إيرانية تريد أن تأخذها‎. ‎
يُقال: حسنًا، إذا لا يوجد أهداف، ماذا تستفيد إيران؟‎ ‎مستفيدة أنه عندما تكون الأجواء المحيطة في المنطقة كلها تحمل ‏القناعات نفسها، يصبح لدينا أجواء إيجابية في العيش ‏المشترك وفي التعاون بين هذه الدول، ويرتاح الناس لأن المنطقة على ‏قواعدها الصحيحة‎.‎
بينما نحن نشاهد الاستكبار، أي الوصاية الأمريكية أو الوصاية العربية، ماذا تفعل؟‎ ‎تتدخل في الاقتصاد وتتدخل في السياسة ‏وتعيّن المسؤولين وتضغط من أجل أن تغيّر القناعات وتتدخل بالموضوع الثقافي‌‏. أي الاستعمار عادة، والدول التي تتدخل ‏في وطننا، هو في الحقيقة تتدخل من أجل مكاسبها هي وليس من أجل مكاسبنا نحن‎.‎
إذا أردنا أن نجري مقارنة بين إيران وبين الدول الأخرى التي تتدخل الآن في لبنان أو قبل ذلك في لبنان، نرى أن هذه ‏الدول التي ‏تتدخل، تتدخل لأن لها مصالح اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية، بل تتدخل من أجل تغيير الاتجاه‎.‌‏ بينما ‏الجمهورية الإسلامية ولا مرة تدخلت لتغيير الاتجاه في أي مجال من المجالات‎.‎
نحن الذين نؤمن بمقاومة الكيان الإسرائيلي، نحن نؤمن أن أمريكا طاغية وتريد أن تعتدي علينا، نحن نؤمن بأننا يجب أن ‏نكون ‏أعزة وأن يكون بلدنا محرراً. وهم يقولون لنا: نحن موافقين معكم، صحتين على قلبكم، وحاضرين أن ندعمكم‎. ‎
أخذنا من إيران ولم تأخذ إيران منا‎، بينما شاهدوا الوصاية التي يعمل عليها الآخرون‎!‎
حزب الله ينطلق من إيمانه ومن المصلحة التي يراها‎.‌‏ أي لما أحد يقول: «حسنًا، أنتم على أي أساس تعملون بهذا الاتجاه؟ ‏لماذا تشتغلون مقاومة؟ لماذا عندكم قناعات ‏معينة وتعملون أعمال معينة؟‌‏». بالنهاية، كل واحد عنده إيمانه، وعنده المصالح ‏التي يراها مناسبة‎.‌‏ ‏
حزب الله ينطلق من إيمانه والمصلحة التي يراها بتبني خيار المقاومة، والعمل على أساس المقاومة. بناء الدولة القادرة ‌‏والعادلة، وخدمة الناس‌‏ هو إيمان ومصلحة من وجهة نظر حزب الله‌‏. ‏
المقاومة إيمان ومصلحة، مواجهة الفساد إيمان ومصلحة، رفض الاحتلال إيمان ومصلحة‎.‎
بناءً على ما تقدم، نفتخر بعلاقتنا بإيران التي أعطتنا ولم تأخذ منا شيئاً‎، أما العار كل العار لمن يخضع للوصاية الأمريكية ‏ويكون تابعاً لها‌‏.‏
العار كل العار لمن يروّج لحق إسرائيل بالاحتلال ويبرر ذرائعها ولا يُطالب بانسحابها ولا يضغط لتوقيف عدوانها‎. ‎
العار كل العار لمن لا يساهم ولو بالضغط الإعلامي نصرةً لإخواننا في فلسطين، بينما ينبرون لأي حادثة صغيرة تحصل ‏مع ‏مستكبر أو مع أحد الأوصياء على لبنان من أجل أن يستنكروها وأن يقفوا معهم‎.‎
ثالثاً: نحن نريد كحزب الله، نحن نريد لبنان سيداً حراً مستقلاً وقادراً.‏
نريده سيداً ببسط سيادته على كامل الأراضي اللبنانية وخصوصاً على أرض الجنوب‎. ‎
نريده حراً في خيارات أبنائه الثقافية والسياسية والاجتماعية من دون تدخل من أحد‎. ‎
نريده مستقلاً لا يخضع لأي وصايا أجنبية أو عربية‎. ‎
نريده قادراً له بنية إدارية وبنية حكم ومؤسسات قوية ومتماسكة وجيش قوي‎.‎
كيف نحقق هذه العناوين؟ في رأينا؟ يمكن تحقيقها بالأمور التالية‎:‎
واحد: ندعو إلى الحوار والتوافق، ونؤكد على الوحدة الوطنية في مواجهة الأعداء‌‏. هذه الوحدة لا تتأثر بالاختلافات الداخلية ‏تحت سقف الدستور والقوانين‎.‌‏ عندما نتحدث عن الوحدة، لا نقول أن جميعنا نفكر مثل بعض، لكن على الأقل نواجه العدو ‏الواحد ونقول أن هناك عدو واحد‎.‌‏ أما في الداخل نختلف على بعض القضايا، فليكن الحكم الدستور والقوانين‎.‎
ثانيًا: أن تكون الأولوية لوقف العدوان والانسحاب الإسرائيلي وإعادة الأسرى والإعمار، ثم نناقش الاستراتيجية الوطنية من ‏أجل أن ‏نعرف كيف نحمي بلدنا وكيف نبنيه للمستقبل‎.‎
ثالثًا: ندعو إلى إجراء الانتخابات النيابية في موعدها المقرر‎.‎
رابعًا: ندعو إلى إعادة أموال المودعين، وأن تكون القوانين المقترحة قوانين تأخذ بعين الاعتبار أن يأخذ المودع حقه كاملاً ‏غير ‏منقوص‎.‎

خامسًا: ندعو إلى تسليح الجيش اللبناني ليتمكن من أن يكون جيشاً للوطن يحمي من الأعداء، إضافةً إلى الوظائف الأخرى ‏التي ‏يقوم بها في مواجهة جماعة المخدرات والسرقة وكل العملاء والذين يعبثون بأمن الوطن‎.‎
سادسًا: ندعو إلى إنصاف موظفي القطاع العام حتى تتمكن الإدارة من الانطلاق‎.‎
وأخيراً، مستوى التضحيات التي قدمها الحاج قاسم، الحاج أبو مهدي المهندس، سيد شهداء الأمة السيد حسن، وكل هؤلاء ‏الأبرار، مستوى التضحيات ترقى إلى مستوى الوسام الإلهي الأكبر وهو الشهادة، وترقى إلى مستوى الوسام الأرفع ‏بالوطنية والسيادة ‏كل بحسب موقعه، وترقى إلى مستوى التقدير الأعلى للإخلاص في سبيل الله تعالى‎.‎
التعزية والتبريك بالشهيد قاسم، بسيد شهداء الأمة، بأبو مهدي المهندس، وكل الشهداء من إيران وفلسطين ولبنان واليمن ‏والعراق ‏وكل ساحات المواجهة والتضحيات‎. ‎
إلى أرواحهم جميعاً نهدي ثواب السورة المباركة الفاتحة مع الصلاة على محمد وآل محمد‎.‎
والسلام عليكم ورحمة الله‎.‎

السبت 3-1- 2026‏
‏13 رجب 1447 هـ

شاهد أيضاً

📰 مصدر رسمي: لا يقين بشأن مستقبل «الميكانيزم»

🗞️ صحيفة الأخبار في وقت تحوّل كلام الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، حول …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *