حـمـزة الـخـنـسـا – الأخـبـار
تتسابق بعبدا والسراي الحكومي في إصدار التصريحات الرسمية لتأكيد المؤكد في العُرف السياسي اللبناني:
الجيش هو الحل، وهو الحامي الوحيد، وهو صاحب السيادة الحصرية.
وهي مواقف تطرب لها الآذان في واشنطن وباريس والرياض وحتى تل أبيب.
ولكن، توجد خلفها حقيقة ميدانية ماثلة، يهرب الجميع من الاعتراف بها، وهي أن السلطة عندنا تبيع المجتمع الدولي وهماً عسكرياً من جهة
وقد تورّط المؤسسة العسكرية اللبنانية بالتزامات هي أقرب إلى «الانتحار الاستراتيجي» منها إلى خطط الدفاع الوطني من جهة أخرى.
تكمن الخطيئة الأولى في الخطاب الرسمي في تضخيم الدور الوظيفي للجيش بما يتجاوز قدراته التسليحية الواقعية.
فتكرار لازمة «الجيش هو الذي يحمي»، تتجاهل عمداً الإجابة عن السؤال البديهي: كيف؟
إن جيشاً كالذي في لبنان، لا يقدر على حماية أهله، لأنه يفتقر إلى منظومات دفاع جوي، ويقاتل بآليات متهالكة، وتقتصر ذخيرته على ما تجود به الهبات الغربية (آخرها 13 ناقلة جند من طراز M113…
التي دخلت الخدمة فعلياً لدى الجيش الأميركي عام 1960) التي لا تحمي لبنان من أعتى ترسانة عسكرية في الشرق الأوسط.
والحقيقة التي يعرفها العسكريون قبل السياسيين، أنه في حال قرر العدو شن حرب واسعة…
فإن الجيش في وضعه الحالي لا يملك خياراً سوى الانسحاب إلى الثكنات أو القتال الانتحاري الرمزي.
فتحويل الجيش إلى كبش فداء عبر وضعه في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية من دون غطاء جوي أو توازن ردع، ليس قراراً سيادياً.
بل مغامرة بمصير المؤسسة الجامعة الوحيدة المتبقية في البلد.
وللمفارقة، فإنه في اليوم الذي كانت فيه وزارة الدفاع اللبنانية تتسلم «تاكسي الميدان» (ناقلات الجند من طراز M113 المقدمة كهبة من اليونان بموافقة أميركية ومراسم احتفالية)…
كانت القوات الجوية في وزارة الدفاع الإسرائيلية تدمج بطارية «الشعاع الحديدي»، كأحدث منظومات الدفاع الجوي على الإطلاق.
ضمن شبكة الدفاع الجوي الحالية لتعمل جنباً إلى جنب مع «القبة الحديدية»
بعدما تسلمتها أواخر عام 2025 من شركة «رافائيل» الإسرائيلية بالتعاون مع شركة «رايثيون» الأميركية.
هل الاستسلام يحمينا؟
تقوم فلسفة العهد وحكومته على مبدأ أن «ننفذ كل ما تطلبه واشنطن (سحب سلاح الحزب، ضبط الجنوب)، فتكافئنا أميركا بحماية لبنان ومنع إسرائيل من تدميره».
هذه السردية الساذجة تتجاهل دروس التاريخ القريب، وأبرزها درس السلطة الفلسطينية التي التزمت منذ اتفاقية أوسلو 1993 بكل بنود التنسيق الأمني
وتحولت أجهزتها الأمنية فعلياً إلى وكيل أمني يقمع شعبه لمنع أي تهديد لإسرائيل
على أمل الحصول على «الدولة»، فكانت النتيجة عدم التزام إسرائيل بأي تعهّد:
استمر الاستيطان، وبقي الاحتلال، وتحولت السلطة إلى «وكيل بلا أجر».
هل يريد ساسة لبنان استنساخ تجربة رام الله في بيروت؟ هل يعتقدون حقاً أن تجريد لبنان من أوراق قوته والاعتماد الكلي على «حُسن النوايا» الأميركية والإسرائيلية سيجلب الأمان؟
أم أنه سيجعل لبنان لقمة سائغة، وبلداً مكشوفاً يمكن استباحته في أي لحظة من دون خوف من رد فعل، تماماً كما تُستباح الضفة الغربية اليوم رغم التنسيق الأمني؟
وسط هذا الاندفاع الرسمي نحو «التطهّر» ليس فقط من سلاح حزب الله، بل من الحزب نفسه وبيئته كلها…
تبرز سردية خطيرة يتم ترويجها بخبث: «المقاومة فشلت في حماية لبنان، وبالتالي أصبحت عبئاً يجب التخلص منه».
هذه السردية تتجاهل بوقاحة تاريخاً طويلاً من الإنجازات، بدءاً من تحرير عام 2000، وصولاً إلى إرساء معادلات ردع صلبة أمّنت الاستقرار منذ تموز عام 2006 وحتى تشرين الثاني عام 2024.
صحيح أن المقاومة تعرضت لخسائر قاسية في الحرب الأخيرة، ولكن في علم الاستراتيجيا…
هل تقوم الدول برمي سلاحها الوحيد وتفجيره (كما يفعل الجيش نزولاً عند طلب الأميركيين) لمجرد أنها تعرضت لضربات قاسية في معركة ما؟
المنطق السيادي يقول إن التخلي عن ورقة القوة الوحيدة التي يملكها لبنان الآن، مقابل وعود أميركية ضبابية، هو قمة العبث.
والدليل الصارخ يكمن في «فاتورة الحساب» الحالية:
لقد قدمت السلطة في لبنان كل أوراق اعتماد «حُسن النية»، ولم يقدم العدو تنازلاً واحداً.
بل واصل الاحتلال والقصف والاغتيالات، ثم عاد ليطالب بشروط إذلال جديدة، تبدأ بإلغاء الميكانيزم، ورفض التجديد لليونيفيل، وصولاً إلى طلب التطبيع مع لبنان.
ما يفعله العهد وحكومته اليوم ليس بناء «الدولة القوية»، بل تأسيس «الدولة الحارسة» لأمن المستوطنات الشمالية. ومسار العهد يقودنا لأن نخسر المقاومة ولا نربح الدولة.
لكنّ الإيجابي هنا رغم كل السواد الذي ساد منذ كانون الأول 2025…
هو أن العهد يتصرف مع حكومته كمن يدير الأرض جنوب الليطاني وشماله بـ«ريموت كونترول»
الرضوان آلأخبآࢪية اخر الاخبار المحلية والدولية