السيد بعيون العدو.. 

إعداد : الدكتورة نور معتوق – منتدى نسم الثقافي

لم يكن السيّد حسن نصر الله مجرّد قائد سياسي أو عسكري، بل كان في وجدان محبّيه رمزاً للحبّ والوفاء والصمود. أحبّه الناس لأنّه أحبّهم أولاً: خاطبهم بصدق، عاش آلامهم اليومية، وشاركهم همومهم الكبرى. كان أقرب إلى الناس من أي سلطةٍ أخرى، يرونه بينهم واحداً منهم، صادق الكلمة، ثابت الموقف. فارتبطت صورته بالبساطة والحياء، وبالإيمان العميق بأنّ القيادة مسؤولية وليست امتيازاً.

لذلك تحوّل في عيون الملايين إلى قائد مُنقذ، وصوتٍ يعكس أحلام الفقراء والمهمّشين، ودرعٍ يحمي الجنوب الذي طالما أُهمل وتُرك لمصيره.

لكن هنا يبرز السؤال: إذا كان أنصاره قد أحبّوه إلى هذا الحدّ فكيف كان في نظر أعدائه؟ ما مكانته في عيون خصومه الإسرائيليين، وما الذي دفعهم إلى إنفاق كل هذه القوة والجهد للتخلّص منه؟

 

مكانة أسطورية وإرث استراتيجي

يكتب الصحافي ثاناسيس كامبانيس في مجلة فورين بوليسي أنّ نصر الله بلغ مرتبة “الزعيم الأسطوري” في نظر مؤيديه وأعدائه على حدّ سواء. فقد قاد حزب الله ليصبح “أكثر خصم فعّال واجهته إسرائيل على الإطلاق. وقد رسّخت صورة نصر الله كقائد استطاع تحويل مجرّد النجاة العسكرية إلى نصرٍ سياسي ومعنوي، وهو ما لم يغب عن أعين صانعي القرار في تل أبيب.

المصداقية في عيون الإسرائيليين

لم تكن قوة نصر الله في الميدان وحده، بل في كلماته أيضاً. دراسة لجامعة أمستردام حول حرب 2006 أظهرت أنّ الرأي العام الإسرائيلي وثق بخطابات نصر الله أكثر من بيانات قادته السياسيين والعسكريين. كان الإسرائيليون يتابعون شاشاتهم مترقبين خطاباته، لأنها غالباً ما احتوت على حقائق مدعومة بالصوت والصورة، مثل إصابة بوارجهم أو مقتل جنودهم. هكذا تحوّل خصم عسكري إلى مصدر موثوق للأخبار، وهو أمر غير مسبوق في تاريخ الصراعات.

الكاريزما والاستراتيجية والحرب النفسية

تشير ألكسندرا فين في مبادرة الحروب غير النظامية إلى أنّ الاستخبارات الإسرائيلية كانت ترى في نصر الله صاحب القرار النهائي في كل ما يصدر عن حزب الله. وقد عُرف بخطاباته المحسوبة: باردة في انفعالاتها، لكنها قوية في تأثيرها. كما كان مطّلعاً بدقة على الإعلام الإسرائيلي، يدرسه بتمعّن ليحوّله إلى سلاح نفسي موجّه ضد خصومه. هذه القدرة على قراءة المجتمع الإسرائيلي وتوظيف مخاوفه جعلت منه خصماً استثنائياً في نظر أجهزة الأمن الإسرائيلية.

العدو كخطيب بارع

وكالة رويترز بدورها لفتت إلى أنّ نصر الله كان “معروفاً حتى لدى أعدائه بأنه خطيب بارع”. لم يكن اهتمام الإسرائيليين بخطاباته بدافع الإعجاب، بل لإدراكهم أنّ كلماته تحمل وزناً سياسياً ومعنوياً. إعلانه عن “النصر الإلهي” بعد حرب 2006 هزّ ثقة الإسرائيليين بأنفسهم، وأكّد لهم أنّ حرب السرديات لا تقلّ خطورة عن حرب الميدان.

احترام حتى من أشدّ خصومه

في تعليق لمركز تشاتهام هاوس، يؤكد المحلل مهند حاج علي أنّ “حتى ألدّ أعدائه في إسرائيل والغرب كانوا يحترمونه لمهاراته الخطابية والتنظيمية وذكائه الاستراتيجي”. ويضيف أنّ نصر الله “قرأ إسرائيل، حكومتها ومجتمعها، كما لم يفعل زعيم عربي آخر”. هذه القدرة على التوغّل في عقل العدو جعلت منه هاجساً دائماً لصناع القرار في تل أبيب.

خصم كاريزمي وخصم لدود

أما وكالة أسوشيتد برس فقد لخّصت مسيرة نصر الله بوصفه “استراتيجياً حاذقاً وكاريزمياً” جعل من حزب الله “عدواً لدوداً لإسرائيل”. هذه العبارة تلخّص نظرة تل أبيب إليه: خصم خطير، لكن استثنائي، نجح في إعادة صياغة معادلة الصراع على حدودها الشمالية.

الخاتمة

تكشف هذه الشهادات الدولية عن مفارقة لافتة: إسرائيل، التي لم تتوقف يوماً عن عداء نصر الله، وجدت نفسها مضطرة للاعتراف بهيبة خصمها. فقد رأته قائداً متماسكاً، صادق الكلمة، بارعاً في الحرب النفسية، قادراً على تحويل نقاط ضعف خصومه إلى أدوات ردع. وهكذا، يظلّ الإرث الأبرز للسيد حسن نصر الله أنه استطاع، عبر ثلاثة عقود، أن يفرض احترامه حتى على ألدّ أعدائه.

#عام_على_موارة_الشمس

#منتدى_نسم_الثقافي

#الهيئات_النسائية_جبل_عامل_الثانية

شاهد أيضاً

وقفة تضامنية في بيروت مع الأسرى اللبنانيين في سجون الاحتلال

نُظّمت أمس السبت 21 شباط/فبراير، وقفة تضامنية أمام مبنى الإسكوا في بيروت دعماً لأكثر من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *