النازية بنسختها الإبستينية: الحياة لـ«العقول الجميلة» فحسب

ريم هاني: صحيفة الأخبار

ساهمت الصدمة التي أحدثتها ملفّات إبستين، وما تحتويه من ملايين الوثائق وآلاف مقاطع الفيديو ومئات الآلاف من الصور، في إغراق وسائل الإعلام وإشغال الرأي العام بصور قاصرات وأدلة على عمليات ابتزاز جنسي واعتداء على الأطفال. على أن أبرز ما ساهمت تلك القضية في إماطة اللثام عنه، على الأرجح، هو طريقة عمل النخب السياسية والتكنولوجية التي تحكم العالم اليوم؛ إذ إنه من خلال التعمّق في خلفية الشخصيات التي اختار جيفري إبستين تمويلها وإغراقها بالدعوات والهدايا الفاخرة، يمكن استشراف أهداف «أكبر»، بل ومسار يرمي إلى «تغيير البشرية» بناءً على أفكار متطرّفة وعنصرية، تجعل البقاء فيها لـ«الأقوى»، وهو ما لن ينتهي بمجرّد «طيّ صفحة» رجل «منحرف» واحد على غرار إبستين.

الشبكة المالية

يجادل بعض المراقبين بأنه على الرغم من أن الملفات التي خرجت إلى العلن هائلة من حيث الحجم، وأنها أحدثت ضجة واسعة النطاق، إلا أن ملفات مالية مرتبطة بإبستين وغيره من النخب، سُربت سابقاً، من مثل «أوراق باندورا وبنما وبارادايس» هي «أثقل» من حيث الأهمية، كونها تُظهر كيف أن الحسابات الخارجية المخفيّة والصناديق الائتمانية السرّية والشركات الوهمية لأغنى أغنياء العالم، تتيح لهؤلاء نقل مليارات الدولارات من دون علم المواطنين أو السلطات، واستخدامها لخدمة أجندات بعيدة المدى.
في الواقع، تكشف منظومة غسل الأموال والتهرّب الضريبي، التي جسّدتها بعض شركات إبستين من مثل «Southern» و«Trust Company»، والتي كثر الحديث عنها في أحدث الملفات المسربة أخيراً، عن أن دور الشركات المشار إليها تجاوز مجرّد كونها أدوات لإخفاء الثروة؛ فمن خلال الحصول على مزايا ضريبية هائلة في ملاذات من مثل «جزر العذراء» الأميركية، بدعوى دعم «التكنولوجيا والبيانات»، استطاع إبستين وأمثاله تحويل الأموال المشبوهة إلى «رأس مال شرعي»، يُستخدم لتمويل مختبرات الذكاء الاصطناعي وشراء ولاءات العلماء والسياسيين.

واتّخذ إبستين من هؤلاء الأشخاص دروعاً سياسية وأدوات لشرعنة وصوله إلى أروقة السلطة، ممّا أتاح له بناء شبكة نفوذ جعلت حتى المؤسسات الأكاديمية العريقة، من مثل «معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا» (MIT) ، تتردّد في رفض أمواله؛ إذ جادل بعض أعضاء المعهد المشار إليه، مثلاً، بأن «المجتمع سيكون في وضع أفضل إذا استُخدمت الأموال السيئة لخدمة أغراض جيدة»، فيما استمرّ عشرات الأشخاص في التواصل معه وتلقي «مساعداته»، وإن بشكل غير مباشر عبر كيانات وأفراد آخرين، بذريعة «الحاجة إلى التمويل».

«العقول الجميلة»

في عام 2002، نقلت مجلة «نيويورك» عن إبستين قوله لأصدقائه: «أنا أستثمر في الناس، سواء في السياسة أو العلم»؛ ف«النساء الجميلات لم يكنّ سوى جزء من القصة»، في حين أظهر الرجل «شغفاً» ب«جمع العقول الجميلة». بحسب التقرير، كان إبستين يرى في بعض القادة السياسيين أشكالاً تطورية عليا، حتى إنه وصف الرئس السابق، بيل كلينتون، بـ«أعلى شكل تطوري للحيوان السياسي». وآنذاك، ردّ متحدث باسم كلينتون بالإشارة إلى أن «الرئيس يقدّر معرفة إبستين المتعمقة بعلوم القرن الحادي والعشرين وكرمه في العمل على إرساء الديمقراطية ومكافحة أمراض مثل الإيدز».

بيد أنه ومع تدفّق ملايين الوثائق من وزارة العدل والتحقيقات المعمقة، يتّضج أن هذا الاستثمار هو أبعد ما يكون عن «العمل الخيري»، بل هو أقرب إلى محاولة للسيطرة على مستقبل التطور البشري من خلال الاستثمار في جملة من الشخصيات ذات الأفكار المجتمعية والسياسية المثيرة للجدل. وعلى الأغلب، يكمن الجانب الأكثر إرعاباً في طموحات إبستين في هوسه بنظريات من مثل «ما بعد البشرية» (Transhumanism) و«تحسين النسل» (Eugenics)، التي تعود جذورها إلى القرن التاسع عشر، وتدعو إلى خلق جنس بشري «أفضل» عبر التكاثر الانتقائي للأذكياء، وتهميش الفقراء والأقلّيات باعتبارهم «عناصر غير مرغوب فيها».
ولم يكتفِ إبستين بالتنظير، بل إن بعض التقارير تشير إلى أنه حوّل مزرعته «زورو» في نيو مكسيكو إلى منشأة بحثية تهدف إلى تلقيح النساء ونشر جيناته التي اعتبرها «متفوّقة». كما استغلّ حاجة العلماء إلى التمويل، خاصة بعد نهاية الحرب الباردة، ليجذب كبار العقول من «مشروع مانهاتن» إلى مزرعته، واعداً إياهم بتوفير أدوات «للتحقيق في الأشياء التي لا يمكن تفسيرها».
وطبقاً لموقع «Drop Site» الاستقصائي الأميركي، كان إبستين يعمل أيضاً على تجنيد خبراء تشفير الحمض النووي لمصلحة مشروع أكثر طموحاً، يتمثّل في اختراق الجينوم البشري، لأهداف «غير طبية» بطبيعة الحال، علماً أن الولايات المتحدة، وتحديداً وكالة الأمن القومي، هي الجهة المتخصّصة بمثل هذه العمليات. وتكشف رسائل مسرّبة من البريد الإلكتروني، أن إبستين طالب بعض معارفه بمساعدته في تجنيد «كاسري الشفرات الجينية» من وكالات الاستخبارات المختلفة.

حوّل إبستين مزرعته في نيو مكسيكو إلى منشأة بحثية لتلقيح النساء ونشر جيناته «المتفوقة»

من جهته، نشر موقع «بايلاين تايمز» البريطاني تفاصيل رسائل تبادلها إبستين مع علماء من مثل جوشا باخ ونيك بوستروم، اللذين روّجا لنظرية تمزج بين «التسلسل الهرمي العنصري» و«التحسين الجيني»، ساهمت، طبقاً للتقرير، في تشكيل صعود «وادي السيليكون» وجملة من النخب الحاكمة اليوم. وفي رسائل مسرّبة، ناقش باخ مع إبستين أفكاراً تروّج لـ«التفوق العرقي الوراثي»، مدعياً أن الأوروبيين هم «أكثر ذكاءً وراثياً» من الأفارقة مثلاً، وأن النساء لا يمكن أن ينجحن في أيّ عمل لا يساهم في «جذب الاهتمام».
ومن دون أيّ معارضة من إبستين، ذهب باخ أبعد من ذلك، مشبّهاً الأفراد بالخلايا التي يمكن الاستغناء عن الضعيف منها (كبار السن والعجزة)، واصفاً التغير المناخي بـ«الوسيلة الإيجابية» للتعامل مع الاكتظاظ السكاني وتصفية الفائض من البشر. وتتضمّن الرسائل، كذلك، إشادة بـ«الفاشية»، باعتبارها «ماكينة فعالة ورحيمة بمنطقها الخاص»، في حال كانت «مستدامة».
كما ينوّه التحقيق نفسه إلى الأموال التي أرسلها إبستين إلى نيك بوستروم، الأب الروحي لفلسفة «المدى الطويل»، التي تعطي الأولوية لضمان وجود البشرية في المستقبل البعيد – ربّما على شكل عقول رقمية أو ذكاء اصطناعي -، حتى لو تطلّب ذلك التضحية بالبشر في الحاضر، وإهمال قضايا من مثل الفقر والبيئة والأوبئة، لصالح الاستثمار في الوصول إلى ما يُعرف بـ«الذكاء الاصطناعي الفائق». وتاريخياً، دافع بوستروم عن «تحسين النسل» الانتقائي، معبّراً عن قلقه من تكاثر الفئات «الأقل ذكاءً»، وهي أفكار موّلها وأضفى عليها إبستين الشرعية داخل المؤسسات العلمية الكبرى من مثل «هارفارد» و«MIT». واللافت، أن الهدف من ذلك ليس، بالضرورة، تحسين البشرية، بل حصر الوجود البشري في الفئات القادرة على «الاندماج» مع تطور الآلات والذكاء الاصطناعي، اللذين سيشكلان «آلهة» العالم المستقبلي.
ويردف التقرير أن هذه النظريات هي التي تغذي، اليوم، «توجهات وادي السيليكون»، نظراً إلى أن قادة من مثل إيلون ماسك وبيتر ثيل، استمروا في التفاعل مع هذه الشبكات حتى بعد إدانة إبستين، يتبنون تلك القيم، ويسهمون حتى في سَنّ سياساتها في الإدارة الحالية.

إبستين وإسرائيل

في خضمّ المزاعم الإسرائيلية حول عدم وجود أي صلة بين إبستين والكيان الإسرائيلي، نشر موقع «Drop Site» تقريراً منفصلاً، بناءً على تقارير كشفتها أخيراً وزارة العدل، جاء فيه أن الحكومة الإسرائيلية قامت بتركيب معدّات أمنية وسيطرت على إمكانية الوصول إلى مبنى سكني في مانهاتن يديره مرتكب الجرائم الجنسية، والذي كان رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، إيهود باراك، يقيم فيه بشكل متكرر لفترات، وذلك ابتداءً من عام 2016.

وكان رافي شلومو، مدير خدمة الحماية في البعثة الإسرائيلية لدى الأمم المتحدة في نيويورك ورئيس أمن باراك آنذاك، يتراسل مع موظفي إبستين لترتيب اجتماعات لمناقشة الأمن وتنسيق تركيب معدّات المراقبة المتخصصة في مقرّ إقامته في شارع 66. كما أشرف، شخصياً، على وصول الضيوف إلى الشقة، وأجرى حتى فحوصات خلفية لعمال النظافة وموظفي إبستين. ووفقاً لما تظهره رسائل البريد الإلكتروني، وافق إبستين بنفسه على تركيب المعدات، وسمح بعقد اجتماعات بين موظفيه ومسؤولي الأمن الإسرائيليين، في دليل يضاف إلى جملة من المعطيات التي تؤكد وجود علاقة «وثيقة» بينه وبين الكيان. والجدير ذكره، هنا، أنه حتى وفاة إبستين في عام 2019، كان باراك يقلّل من أهمية علاقته به، زاعماً أنه على الرغم من لقائه به عدة مرات، إلا أنه «لم يدعمني أو يدفع لي».

شاهد أيضاً

الذهب تراجع إلى 5167.28 دولارًا للأونصة

أفادت وكالة “رويترز”، بأن “أسعار الذهب انخفضت اليوم الثلاثاء مع جني المستثمرين للأرباح بعد ارتفاع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *