افتتاحية اليوم:عيد العمال بين الحرب ووجع اللقمة

يحلّ عيد العمال يوم غد الجمعة في الأول من أيار على لبنان مثقلاً بما يفوق طاقة العامل على الاحتمال، إذ يتقاطع الانهيار الاقتصادي مع نار الحرب المفتوحة مع اسرائيل، ليحوّلا هذه المناسبة من يوم للاحتفاء بالحقوق والإنجازات إلى محطة للتذكير بخسارات متراكمة وضغوط يومية لا ترحم.

في بلدٍ كان يُعرف بحيوية طبقته العاملة وتنوعها، بات العامل اليوم أسير معادلة قاسية: أجور متآكلة، فرص عمل نادرة، وأفق اقتصادي مسدود.

لم يعد الأول من أيار مناسبة للاحتفال بقدر ما أصبح مرآة لواقع مأزوم ، فالحد الأدنى للأجور فقد قيمته الفعلية، والقدرة الشرائية تآكلت إلى حد غير مسبوق، فيما تتآكل معها أحلام آلاف الشباب الذين يرون في الهجرة الخلاص الوحيد، أما من بقي في لبنان، فيكافح لتأمين أساسيات الحياة في ظل تضخم مستمر وخدمات شبه معدومة.

وتأتي الحرب في الجنوب لتضيف طبقة جديدة من القلق وعدم الاستقرار، فالمناطق الحدودية التي كانت تشكل رئة اقتصادية لقطاعات زراعية وتجارية، تحوّلت إلى ساحات مدمرة ونزوح غير مسبوق، وخسائر فادحة. عمال كثر فقدوا مصادر رزقهم، ومؤسسات دمرت وأخرى أقفلت أبوابها، فيما تتزايد كلفة المعيشة على النازحين في مناطق أكثر أمناً، ما يضاعف الضغط على سوق العمل الهش أصلاً.

في هذا المشهد، تبدو الحركة النقابية شبه غائبة أو عاجزة عن مواكبة حجم التحديات، فالمطالب التقليدية برفع الأجور وتحسين شروط العمل لم تعد كافية في ظل انهيار شامل يطال بنية الاقتصاد نفسها، إذ المطلوب اليوم يتجاوز تحسين الرواتب إلى إعادة بناء منظومة اقتصادية قادرة على خلق فرص عمل مستدامة، وإرساء حد أدنى من العدالة الاجتماعية.

ومع ذلك، لا يمكن إغفال أن العامل اللبناني، رغم كل ما يواجهه، لا يزال يحاول الصمود، فمن يعمل في وظيفتين لتأمين لقمة العيش، إلى من أطلق مشروعاً صغيراً في مواجهة البطالة، تتجلى إرادة الحياة في تفاصيل يومية صامتة. لكن هذه الإرادة، مهما بلغت، لا يمكن أن تعوّض غياب السياسات العامة والرؤية الاقتصادية الواضحة.

في الأول من أيار، لا يطالب العامل اللبناني بالكثير، يريد فقط أجراً يكفيه، أماناً وظيفياً يحميه، ودولة تؤمّن له الحد الأدنى من الكرامة. وبين الحرب والانهيار، يبقى هذا العيد مناسبة لطرح السؤال الكبير: هل لا يزال هناك من يسمع صوت العمال في لبنان، أم أن هذا الصوت بات مجرد صدى في وطنٍ تتنازعه الأزمات؟

شاهد أيضاً

بيان صادر عن حزب الله حول مهاجمة العدو الإسرائيلي لأسطول الصمود العالمي:

يدين حزب الله إقدام العدو الصهيوني على مهاجمة واحتجاز سفن أسطول الصمود العالمي في المياه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *