📰 الحرب تشطب 40% من متوسّط دخل العمال

🗞️ زينب بزي – الأخبار

تراجع متوسّط «الدخل من العمل» على المستوى الإجمالي بنسبة 40.4%، وفق تقرير حديث لمنظّمة العمل الدولية، في واحدة من أقسى الصدمات التي تلقّاها عمال القطاع الخاص منذ بدء الانهيار. ولا تعني هذه النسبة أنّ راتب كل عامل انخفض بالمقدار نفسه، بل إنها تجمع بين تراجع مداخيل من حافظوا على أعمالهم والفقدان الكامل للدخل لدى من خسروا وظائفهم وصار دخلهم من العمل صفراً. أي إنّ الحرب لم تقتطع جزءاً من الأجور فحسب، بل ألغت مصادر رزق كاملة.
وتزداد خطورة الرقم لأنه يأتي فوق دخل كان متآكلاً أصلاً منذ عام 2019، بفعل الانهيار المالي والنقدي وارتفاع كلفة النقل والكهرباء والصحة والتعليم. كما أن أكثر من 66% من الأجراء كانوا يعملون بصورة غير نظامية، من دون حماية كافية عند الصرف أو توقّف النشاط. لذلك، لم تبدأ الحرب من الصفر، بل دفعت سوق عمل هشاً أصلاً نحو مزيد من البطالة والفقر وانعدام الأمان الوظيفي.
ويُظهِر تقرير منظمة العمل الدولية، الصادر بعنوان «سوق العمل في لبنان في خضمّ الأزمة: تقييم آثار تجدّد النزاع وعدم الاستقرار الإقليمي»، أنّ 33% من المشاركين الذين كانوا يعملون قبل الحرب لم يعودوا يعملون وقت إجراء المسح. وفيما تُترجم هذه الخسارة إلى استنزاف للمدّخرات وتأجيل للفواتير وتقليص للإنفاق على الغذاء، لم يحصل على مساعدة مالية حكومية سوى 4% من اللبنانيين المشمولين بالمسح. ومع ذلك، يكاد ملف العمل والدخل يغيب عن أولويات السلطة والقوى السياسية المنشغلة بحساباتها ومواقعها، من دون خطة لحماية الوظائف أو تعويض من فقدوا مصادر رزقهم أو دعم المؤسسات المتضرّرة كي تحتفظ بعمالها.
استند التقرير إلى استطلاع أجري بين 9 و19 أيار 2026، وشمل 2485 عاملاً في القطاع الخاص من مختلف المحافظات والقطاعات والجنسيات. ومن كامل العينة، أصبح 28.2% عاطلين عن العمل، أي إنهم فقدوا أعمالهم لكنهم استمروا في البحث عن فرص جديدة، فيما خرج 4.7% من القوى العاملة، أي إنهم لم يكونوا يعملون أو يبحثون عن عمل وقت المسح. ومن بين هذه الفئة الأخيرة، قال 55.1% إن النزوح أو الانتقال من مناطقهم حال دون عودتهم إلى العمل، فيما كان 44.1% ينتظرون استدعاءهم مجدّداً من أصحاب عملهم السابقين.
وكان النزوح أحد المحرّكات الأساسية لخسارة العمل. فالانتقال القسري لا يفصل العامل عن منزله فقط، بل يبعده أيضاً عن المؤسسة أو الزبائن أو الأرض والأدوات وشبكات العلاقات التي يقوم عليها مصدر رزقه. لذلك، وصلت نسبة الذين لم يعودوا يعملون إلى 76.5% بين المشاركين من النبطية و43.2% في الجنوب. إلّا أن الخسارة امتدّت أيضاً إلى عكار بنسبة 13.7% والشمال بنسبة 9.1%، نتيجة تراجع الطلب واضطراب الأسواق وانكماش النشاط الاقتصادي، لا بسبب الدمار المباشر وحده.

ارتفع متوسّط عدد أفراد الأسرة من 4.9 إلى 6.2 فيما انخفض متوسّط العاملين فيها من شخصين إلى 1.6

وظهرت الخسائر بصورة أشدّ في القطاعات المرتبطة بحركة السكان والاستهلاك. فقد أصبح 60% من العاملين في العقارات والفنون والترفيه خارج العمل، إلى جانب 51.7% من العاملين في الخدمة المنزلية، و44.5% في الخدمات الإدارية والدعم، و42.6% في الفنادق والمطاعم. وهي قطاعات تتأثّر سريعاً بالنزوح وإقفال المؤسسات وتراجع السياحة والإنفاق.
ولم تتوزّع الخسائر بالتساوي بين مختلف الفئات. فقد سجّل الأشخاص ذوو الإعاقة النسبة العليا للخروج من العمل، إذ بلغت 71.4%، تلاهم النساء بنسبة 44.3%، ثم الشباب بين 15 و24 عاماً بنسبة 42.4%، والعمال السوريون بنسبة 39.4%، والعاملون في وظائف غير نظامية بنسبة 37.7%. ويعود ذلك إلى أن هذه الفئات كانت أصلاً أقل حماية وأكثر تمركزاً في المؤسسات الصغيرة والأعمال الهشّة، فيما تواجه النساء عوائق إضافية أمام العودة إلى العمل، من بينها المسؤوليات العائلية وارتفاع كلفة النقل.
واللافت في التقرير أن تراجع الدخل طاول حتى الذين استطاعوا الحفاظ على أعمالهم، فانخفض متوسّط مداخيلهم بنسبة 14.8%. وبين العمال اللبنانيين، تراجع متوسّط دخل العمل الشهري من 668 دولاراً قبل الحرب إلى 560 دولاراً خلالها، أي بمقدار 108 دولارات وبنسبة 16.2%. وانخفض لدى السوريين من 517 إلى 474 دولاراً، ولدى الفلسطينيين من 416 إلى 380 دولاراً. أمّا العمال من الجنسيات الأخرى، ومعظمهم من العاملات والعمال المنزليين المهاجرين، فسجّلوا أكبر نسبة تراجع، إذ هبط متوسّط دخلهم من 336 إلى 269 دولاراً، أي بنسبة 20%.
وانتقلت الصدمة سريعاً من سوق العمل إلى الأسر مباشرة. فقد ارتفع متوسّط عدد أفراد الأسرة من 4.9 إلى 6.2 أشخاص بسبب النزوح والسكن المشترك، فيما انخفض متوسّط العاملين فيها من شخصين إلى 1.6. أي إن عدد الأشخاص المحتاجين إلى الإعالة ازداد.
وفي غياب شبكة أمان عامة، اضطرت الأسر إلى استنزاف مدّخراتها والاعتماد على الأقارب وتأجيل القروض والفواتير، وهو ما فعله أكثر من 40% من اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين.
لكنّ المؤشر الأخطر ظهر في الإنفاق على الغذاء. فعندما تبدأ الأسرة بخفض ما تنفقه على الطعام، تكون قد تجاوزت مرحلة الاستغناء عن الكماليات إلى المساس بالحاجات الأساسية. وقد خفّض 27.8% من اللبنانيين إنفاقهم الغذائي، إلى جانب 33.4% من السوريين و27.1% من الفلسطينيين، ما يعني عملياً تقليص كمية الطعام أو نوعيته أو عدد الوجبات. وفي المقابل، لم يحصل على مساعدة مالية حكومية سوى 4% من اللبنانيين و0.4% من السوريين.
ما تكشفه هذه الأرقام ليس أزمة فردية تصيب العامل وأسرته فحسب، بل ضربة للدورة الاقتصادية بكاملها. فتراجع كتلة المداخيل يضغط مباشرةً على الاستهلاك، وهو المحرّك الأساسي لقطاعات واسعة. ومع انخفاض الإنفاق، تتراجع إيرادات المؤسسات، ولا سيما الصغيرة منها، فتزداد احتمالات تقليص الإنتاج وساعات التشغيل والأجور أو صرف مزيد من العمال. أمّا اجتماعياً، فتتحوّل خسارة الدخل إلى تغيير قسري في حياة الأسر، فالمُدّخرات مُستنزفة، الفواتير متراكمة، الغذاء أقل والعلاج والتعليم قابلان للتأجيل. ومع ذلك، لا يزال ملف العمال على هامش أولويات السلطة. لذلك فإنّ هذه الأرقام ليست مجرّد وصف لحجم التدهور، بل جرس إنذار واضح، إذ لم يعد في وسع السلطة أن تقول لاحقاً: «لم نكن نعلم».

شاهد أيضاً

📰 الانفجار في الخليج يجمّد ملف لبنان ويعيد شبح الحرب

🗞️ صحيفة الأخبار هل أطاحت عودة النيران إلى الخليج بالجهود الدبلوماسية الخاصة بلبنان؟ يبدو أن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *