بقلم الإعلامية زهراء الساحلي
موقع الرضوان الإخباري
منذ ظهور أدوات الذكاء الاصطناعي، وعلى رأسها ChatGPT، شهدنا بروز ظاهرة غريبة ومقلقة في آنٍ واحد: أسماء لم نكن نسمع بها من قبل، ظهرت فجأة في المشهد العام، بعضهم صار محللًا سياسيًا، وآخر كاتبًا، وآخر يدّعي الانتماء إلى الصحافة أو الفكر أو الثقافة.
لكن الكارثة لا تكمن في الظهور بحد ذاته، بل في الفراغ الذي خلف هذا الظهور.
عندما تتحاور مع كثير من هؤلاء، تكتشف بسرعة أنهم لا يفقهون المعنى الحقيقي لما يقولون، ولا يدركون عمق ما يطرحونه. كلمات منمّقة، مصطلحات كبيرة، عناوين جذابة… لكن دون فهم، ودون عقل ناقد، ودون قدرة على الربط أو الاستنتاج. مجرد إعادة إنتاج لما تقوله الآلة، أو ما يتداوله الآخرون، بلا تمحيص ولا تفكّر.
لقد انتقلنا من زمن كان فيه الجهل واضحًا، إلى زمن أصبح فيه الجهل مقنّعًا بالبلاغة والتقنية. لم يعد الجاهل صامتًا، بل صار متحدثًا، ولم يعد السطحي متواريًا، بل صار مؤثرًا. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.
الذكاء الاصطناعي أداة، لا عقل. وسيلة، لا وعي. من يستخدمه دون خلفية معرفية أو قدرة على التفكير النقدي، لا ينتج معرفة، بل يضاعف الجهل وينشره بصورة أسرع وأكثر إقناعًا. والأسوأ أن المتلقي العادي قد لا يميز بين من يفكر فعلًا، ومن يكرر فقط.
المشكلة ليست في التقنية، بل في التخلي عن العقل. في الاعتماد الأعمى على ما يُكتب ويُقال، دون سؤال: هل هذا صحيح؟ هل هذا منطقي؟ هل هذا مبني على فهم أم مجرد تجميع كلمات؟
إن أخطر ما يهدد المجتمعات ليس الجهل وحده، بل الجهل الذي يظن نفسه علمًا، والسطحية التي تتقمص دور الحكمة. وعندما تختل المقاييس، يصبح الصوت الأعلى هو الصوت الفارغ، ويُهمَّش أصحاب الفكر الحقيقي.
نحن بحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى إعادة الاعتبار للعقل، للتفكّر، وللشك الصحي. إلى أن نفهم أن الذكاء الاصطناعي لا يصنع مفكرين، بل يكشفهم: فمن كان صاحب عقل، زاده قوة، ومن كان فارغًا، فضحه عاجلًا أم اجلًا.
فالعلم لا يُنسخ، والفكر لا يُستورد، والعقل لا يُستعار.
الرضوان آلأخبآࢪية اخر الاخبار المحلية والدولية