المسيّرات بدل الدبابات: هروب إلى السماء من إخفاقات البرّ

حمزة الخنسا : الأخبار

 مسارات الشاحنات وتدفق الخدمات الأساسية، فيما تتولى الخوارزميات جمع هذه البيانات لتكوين «بنك أهداف اقتصادي». والهدف غير المعلن من هذا الرصد المكثف هو ممارسة «هندسة اجتماعية بالنار» لرفع كلفة الصمود الاجتماعي إلى مستويات غير محتملة قبل إطلاق الرصاصة الأولى.

من «الرصد» إلى «ملفات القصف»

متى يتحول هذا الرصد الجوي الكثيف إلى نار فعلية؟ في العقيدة العسكرية الإسرائيلية، لا يُعدّ الاستطلاع المفتوح إجراءً دفاعياً فحسب، بل إن امتلاء «بنك الأهداف» يمثل المؤشر العملياتي الأخطر على اقتراب «الساعة الصفر».

المعلومات التي تجمعها المسيّرات لا تُحفظ كبيانات خام، بل تُحوَّل آلياً إلى «ملفات قصف جاهزة» (Target Folders) تُربط مباشرة بأسراب الطائرات المقاتلة. ويشير محللون بارزون، مثل عاموس هرئيل في «هآرتس»، إلى أن القيادة الإسرائيلية تقيس باستمرار ما تسميه «عتبة عدم التسامح». فعندما تُظهر التقارير أن جهود «الترميم» لدى المقاومة تجاوزت نسبة معينة، يتحول ذلك إلى مبرر جاهز لشن ضربة استباقية.

تكررت أخطاء حرب تموز 2006 بحذافيرها مع أول التحام بري مباشر مع المقاومة

وبحسب هؤلاء، تعمل هذه الكثافة الجوية بمنزلة «تمهيد ناري صامت» لكيّ الوعي المحلي. ولا تكتمل صورة الحرب الوشيكة إلا بالتزامن مع مؤشرات مرافقة، فعندما تترافق التسريبات حول «دقة بنك الأهداف» مع أوامر مفاجئة من «قيادة الجبهة الداخلية» برفع جاهزية المستشفيات في شمالي فلسطين المحتلة مثلاً، تكون الإشارة واضحة إلى سعي العدو إلى تقليص «دورة الاستهداف» – أي اختصار الزمن بين رصد الهدف وتدميره إلى ثوانٍ – بانتظار القرار السياسي.

الوجه الآخر للعجز البري

في المحصلة، لم تعد السماء اللبنانية مجرد مسرح لانتهاكات تقليدية للسيادة، بل تحولت إلى ساحة مفتوحة لمعركة سيبرانية واستخباراتية معقدة. تعمل خوارزميات الذكاء الاصطناعي الإسرائيلية على مدار الساعة لتحويل كل نبض على الأرض (سواء كان لمقاتل، أو لآلية بلدية ترفع الأنقاض، أو لشاحنة تموين مدنية) إلى سلسلة إحداثيات ضمن بنك أهداف جاهز.

إلا أن هذا الاستعراض الجوي المتقدم لا يُعدّ بالضرورة دليلاً على تفوق مطلق، بل هو في جوهره «تعويض تكنولوجي» مباشر عن عجز بري مزمن. فكلما عجز سلاح المشاة وفشل الجندي الإسرائيلي في تثبيت السيطرة على الأرض، لجأت القيادة العسكرية إلى السماء، لتتحول «الشراهة الخوارزمية» في بناء بنك الأهداف إلى الوجه الآخر لانكسار الاندفاعة البرية.

وكدلالة عملانية، أظهرت الوقائع أن التوغل البري الإسرائيلي في تموز 2006 كان أعمق بكثير مما كان عليه في عام 2024. ففي الأيام الأخيرة من حرب الـ33 يوماً، وفي ما عُرف إسرائيلياً بعملية «تغيير الاتجاه 11»، اتخذت قيادة العدو قراراً بالاندفاع البري السريع نحو نهر الليطاني. ووصلت القوات الإسرائيلية، مثل الفرقة 162 واللواء المدرع 401، إلى مناطق كوادي الحجير وبلدة الغندورية، التي تبعد بين 10 و15 كيلومتراً عن الحدود اللبنانية.

أما في حرب الـ66 يوماً، فكان التوغل البري للعدو محدوداً ومقيّداً إلى حد بعيد. وتركزت العمليات العسكرية والتدمير الممنهج بنسبة ساحقة في «الخط الأول» للقرى الملاصقة للحدود، بعمق يُراوح بين 1 و3 كيلومترات. وتشير المصادر إلى أن أعمق نقطة حاول جيش العدو الوصول إليها بلغت نحو 5 كيلومترات، من دون أن يتمكن من تثبيت بقائه فيها. وقع هذا التوغل الأعمق في منتصف تشرين الثاني 2024، عندما حاولت قوات العدو التقدم نحو «خط القرى الثاني» في القطاع الغربي، تحديداً باتجاه بلدة شمع (حيث دُمّر مقام النبي شمعون) وأطراف بلدة البياضة، وهي مناطق تبعد قرابة 5 كيلومترات من الخط الأزرق، قبل أن تُجبر على التراجع تحت وطأة الاشتباكات مع مقاتلي المقاومة.

شاهد أيضاً

بري يؤكّد الطلب الخارجي بتأجيل الانتخابات: تعديل وزاري مقابل التمديد لسلام

الأخبار شهد المشهد اللبناني أمس تداخل موضوعين يعكسان بوضوح أن ملفات لبنان ليست حاضرة على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *